فهرس الكتاب

الصفحة 27106 من 27364

مجال آخر للمقارنة بين العراق و فيتنام يستعرضه الكاتب حينما يصل إلى هذه المرحلة من محاولته إيجاد مبررات معقولة للانسحاب مثلما فسر التدخل في البداية، و يتعلق الأمر بقضية نوعية التسليح بين الحالتين ففي الأولى يصف كيسنجر أسلحة الفيتناميين الشماليين بأنها كانت"أسلحة ثقيلة"إلى جانب أن أولئك المحاربين كانوا يتوفرون على ملاجئ آمنة في الدول المجاورة لهم زيادة على أن عددهم كان يقارب النصف مليون فرد في مقابل الحالة العراقية التي يقول: إنه بإمكانه أن يقدر عدد أفرادها ببضع عشرات الألوف من المتمردين مسلحين بأسلحة خفيفة بالإضافة إلى امتلاكهم لقنابل تقليدية الصنع، إلا أن نقطة قوتهم تتمثل- في رأيه-في العمليات"الانتحارية"التي يقومون بها غالباً ضد أهداف مدنية.

و حتى و إن سلمنا بذلك فإن كاتب الدولة الأسبق يجعل الأمر هنا في رقبة الشعب العراقي نفسه؛ لأنه على حسب رأيه سيكون صاحب الكلمة الفاصلة في تحديد مصير هذه الأحداث من غير أن يخفي قلقه من هذا الموقف الذي يرى فيه حالياً:"هدوءاً غير عادي في مقابل مجازر منظمة"، و لكنه لا ينسى أن يضيف إلى الأمر برمته فكرة الإشارة إلى الدور الذي يمكن للمصالح الاستخباراتية لعبه؛ لأن دروس فيتنام أثبتت الأهمية التي تمثلها هذه الجهات في التنسيق بين مختلف الفرق العسكرية العاملة وقتها من خلال القدرة على التوزيع الأمثل للمقدرات و التمكن من رصد تحركات الجهات المعادية و استشراف التصعيد.

لا شك أن المقاومة العراقية تدرك الآن أن إستراتيجيتها في استنزاف القوى الأمريكية قد بدأت تؤتي أكلها، و الواقع الذي لا غبار عليه حالياً يقر هذه الحقيقة إقراراً لا يختلف فيه اثنان إلا أنها، أي المقاومة، تدرك أيضاً من جانب آخر قدرة الأمريكيين على إشاعة النعرات الطائفية، وهي بالمناسبة عين الفكرة التي أحسن كيسنجر الإشارة إليها حينما قارن التنوع المجتمعي في العراق بالخلافات بين الشماليين و الجنوبيين في فيتنام بما يعني توجّه أمريكا حالياً إلى محاولة استدراج مختلف الطوائف إلى المعمعة بتنصيب مخارج سياسية تدخل في إطار"عرقنة"المأزق الذي باتت تتخبط فيه هي نفسها على الرغم من أنها أولاً وأخيراً أول من أوجده.

يقول كيسنجر في هذا المجال:"هل في استطاعتنا في الوقت الحالي الكلام عن جيش وطني؟ تتشكل القوات العراقية أساساً من الشيعة في الوقت الذي تتشكل فيه قوات التمرد من المناطق ذات التقاليد السنية مما يترك الانطباع بتوقع عودة الخلافات بين الشيعة و السنة، و لكن هل ستقوم القوات النظامية بمحاربة السنة؟ وهل سوف تقبل مرجعياتها بانصهار ميليشياتها ضمن إطار وطني؟ ... إن نجاح إستراتيجية القضاء على التمرد تتركز أساساً على مدى نجاح سياسة إدماج القيادات السنية ضمن المسار السياسي؛ لأن فشل هذا سيكون بمثابة توطئة للحرب الأهلية".

و حول ما إذا كان من المتوقع أن تتطور الوضعية الدستورية في العراق إلى درجة أن تتشكل هناك دولة متجانسة الأطراف تحظى باستقرار ضروري للمؤسسات فإن كيسنجر يعترف بصعوبة المهمة؛ لأنها مثلما قد تكون مقدمة لتطور ديموقراطي سوف يمتد إلى كل منطقة الشرق الأوسط، قد تتحول في حالة الإخفاق الأمريكي، إلى نواة مأزق ينتشر بعدها حتماً إلى ما لم يمكن تحديده و احتواؤه، ومن هنا لا يقترح هذا الدبلوماسي المخضرم سوى:"ضرورة الإسراع بطرح مبادرة دولية تحدد مستقبل العراق، و تبرمج خطة للانسحاب"و ختاماً يعترف بعد كل هذا السيل من المقاربات بالإخفاق السياسي قبل العسكري:"إننا بحاجة إلى مساعدة سياسية أكثر منها عسكرية، تسمح لنا بأن نزرع نمط حكم غربي قادر على إبراز مقدرته على تكييف نظام مجتمعي مع حاجيات ذلك المجتمع".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت