فهرس الكتاب

الصفحة 4771 من 27364

العلمانيّون والإسلام

محمد قطب

مقدمة

يقوم العلمانيون منذ فترة بحملة واسعة ضد تحكيم الشريعة الإسلامية ، وضد الإسلاميين الذين يطالبون بتحكيمها ، ويحشدون جهودهم في ذلك كأنما يدرءون خطراً داهماً يوشك أن يدهمهم ، ويلوّحون في حملتهم بالديمقراطية بديلا من الإسلام ويرددون كثيرا في كلامهم كلمة"التعددية"وكلمة"الآخر"و"الحرية السياسية"و"تداول الحكم".

ويعجب الإنسان من ذلك حين يعلم أن كثيرا من أولئك العلمانيين كانوا شيوعيين يوم أن كانت الشيوعية ذات سطوة وسلطان . فلما انهارت الشيوعية بالسرعة المذهلة التي انهارت بها ، لبس أولئك العلمانيون ثياب"الديمقراطية"وصاروا ينادون بها كأنهم من دعاتها منذ نعومة أظفارهم ! وقد كانوا في فترة اعتناقهم الشيوعية ينددون بالتعددية الحزبية ويرون فيها الفساد كله . فلما سقطت الشيوعية واحتاجوا إلى تغطية أنفسهم لبسوا ذات الرداء الذي كانوا يلعنونه بالأمس وينددون به !

ويعجب الإنسان كذلك حين يراهم يعارضون تطبيق الشريعة بدعوى أن تطبيقها لا يتيح الحرية للأمة لكي تمارس"حقوقها السياسية"ولا يتيح"للمعارضة"أن تعبر عن مواقفها ، ولا يحترم"الآخر".. بينما كانوا بالأمس من أشد أعوان الحكم العسكري الذي يكتم أنفاس الأمة ، ويسحق المعارضة سحقاً لا هوادة فيه ، ويفرض رأيه على الأمة فرضاً على طريقة الفرعون الذي كان يقول: ( مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) (2) ويجعل فكرة"تداول الحكم"جريمة منكرة لا تخطر إلا في بال الخونة المارقين ! ويملأ السجون والمعتقلات بألوف من الرجال والنساء والشباب والشيوخ ، ويعذبهم بما لامثيل له في التاريخ كله إلا في محاكم التفتيش !

وربما يزول العجب - أو بعضه على الأقل - إذا أدرك الإنسان أن الذي يحرك العلمانيين أساساً هو كراهيتهم للشريعة الإسلامية ونفورهم من تطبيقها . ومن ثم يتخذون مواقفهم في الموقع الذي يهاجم الإسلام والإسلاميين ، بصرف النظر عن طبيعة ذلك الموقع وحقيقة أفكاره .. ولا يجدون في أنفسهم حرجا أن يغيروا مواقعهم من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين ، ما داموا في هذا الموقع أو ذاك يدخلون في زمرة قومٍ أعداءٍ للإسلام والإسلاميين ، ويشاركونهم في مهاجمة الإسلام والإسلاميين !

(1) أنظر تفصيلا لهذه القضية في كتاب ، مفاهيم ينبغي أن تصحح

(2) سورة غافر [ 29 ] .

ولكنا نضرب صفحاً عن هذا كله ، وندخل مع العلمانيين في حوار هادئ جهد الطاقة ، نريده أن يكون علمياً بحتاً وموضوعياً بحتاً ، وأن نصل منه معاً إلى حقائق علمية وموضوعية تكشف الغبش الذي غشّى على كثير من الندوات التي قامت في الفترة الأخيرة بين العلمانيين والإسلاميين ، ولم تصل إلى شيء في النهاية ، لأنها كانت أقرب إلى الصراع الفكري منها إلى البحث الموضوعي ، وكان الوقت المخصص لكل متكلم دقائق معدودة لا تتسع لبحث حقيقي ، وقصارها أن تعرض وجهة نظر سريعة في جزئية من جزئيات الموضوع .

وسنفترض من أجل هذا الحوار الهادئ جهد الطاقة أن الناس جميعا مخلصون ، وأنهم يريدون الحق ويسعون إلى الخير على الرغم من اختلاف وجهات نظرهم ، ثم نبحث معاً بحثا موضوعيا في الدليل الذي يهدي إلى الصواب ، فإذا وجدناه التزمنا به ، ولم نحِدْ عنه ، متمثلين في هذا الحوار بالأدب الذي وجه الله نبي صلى الله عليه وسلم أن يتبعه مع مخالفيه ، مع ثقته عليه الصلاة والسلام أنه على الحق ، إذ وجهه أن يقول لهم: ( وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (1) ومتمثلين قوله تعالى: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ(2) وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) (3) .

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، واهدنا بفضلك ورحمتك إلى سواء السبيل .

محمد قطب

أوربا وتجربتها مع الدين

كانت تجربة أوربا مع"الدين"تجربة بئيسة إلى أقصى حد ..

كان الدين بالنسبة إليها ظلاما وجهلا واستبداداً وغلظة وانصرافاً عن عمارة الأرض ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ .. ) (4) .

ووقر في حس أوربا من خلال تجربتها الخاصة أن هذا هو"الدين"..

ولذلك نفرت منه ، ثم هاجمته وأبعدته عن واقع الحياة ، وحبسته في نطاق ضيق في ضمائر الناس ، إن بقي للناس ضمائر بعد أن أبعدوا عن الدين !

وأوربا في هذا معذورة من ناحية ، ولكنها - من ناحية أخرى - غير معذورة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت