فهرس الكتاب

الصفحة 4772 من 27364

معذورة في النفور من"ذلك الدين"والسعي إلى تقليص نفوذه ونزع سلطانه وحبسه في أضيق نطاق ممكن ... بل نبذه والخروج عليه جهرة .. ولكنها غير معذورة في أن يكون هذا موقفها من"الدين"بعامة ، الصحيح منه وغير الصحيح !

لم تعرف أوربا دين الله الحقيقي الذي أنزل على عيسى ابن مريم عليه السلام ، إنما عرفت صورة محرفة منه ، هي التي أذاعها بولس"رسول الأمم"، ونشرها في ربوع الأرض ، وبخاصة في أوربا .

يقول المؤرخ البريطاني"ويلز":

(1) سورة سبأ [ 24 ] .

(2) أي حين اختلف الناس ولم يعودوا أمة واحدة على الحق كما كانوا في مبدإ الأمر .

(3) سورة البقرة [ 213 ] .

(4) سورة الحديد [ 27 ] .

"وظهر للوقت معلم آخر عظيم ، يعده كثير من الثقاة العصريين المؤسس الحقيقي للمسيحية (1) ، وهو شاول الطرسوسي أو بولس .. والراجح أنه كان يهودي المولد ، وإن كان بعض الكتاب اليهود ينكرون ذلك (2) ، ولا مراء في أنه تعلم على أساتذة من اليهود ، بيد أنه كان متبحراً في لاهوتيات الإسكندرية الهيلينية .. وهو متأثر بطرائق التعبير الفلسفي للمدارس الهلنستية (3) ، وبأساليب الرواقيين (4) ، كان صاحب نظرية دينية ومعلماً يعلم الناس قبل أن يسمع بيسوع الناصري بزمن طويل .. ومن الراجح جدا أنه تأثر بالمثرائية ، (5) إذ هو يستعمل عبارات عجيبة الشبه بالعبارات المثرائية . ويتضح لكل من يقرأ رسائله المتنوعة جنباً إلى جنب مع الأناجيل أن ذهنه كان مشبعا بفكرة لا تظهر قط بارزة قوية فيما نقل عن يسوع من أقوال وتعليم ، ألا وهي فكرة الشخص الضحية الذي يقدم قربانا لله ، كفارة عن الخطيئة (6) . فما بشر به يسوع كان ميلادا جديدا للروح الإنسانية . أما ما علمه بولس فهو الديانة القديمة ، ديانة الكاهن والمذبح ، وسفك الدماء لاسترضاء الإله" (7) .

ويقول أيضا:

"وفي أثناء ذلك الأمد غير المحدد كان يحدث فيما يبدو قدر جسيم من ضرب بعينه من الثيوكرازيا ( أي التداخل والمزج بين الآلهة والعقائد المختلفة ) بين النحلة المسيحية والعقيدة المثرائية التي تكاد تضارعها في سعة انتشارها بين سواد الشعب ، ونحلة سيرابيس إيزيس حورس .."

.. على أن ما أسهمت به نحلة الإسكندرية في الفكر المسيحي والطقوس المسيحية كان أعظم قدرا أو يكاد .. إذ كان طبيعيا أن يجد المسيحيون في شخصية حورس ( الذي كان ابنا لسيرابيس وهو سيرابيس في نفس الوقت ) شبيها مرشداً لهم فيما يبذلون من جهود عنيفة لتفهم ما خلفه لهم القديس بولس من خفايا .." (8) ."

وتتضح من شهادة"ويلز"عدة أمور:

أن الدين الذي نشره بولس ليس هو الدين الذي جاء به المسيح عليه السلام .

أن بولس قد مزج الدين الذي جاء به المسيح عليه السلام بالوثنيات القائمة يومئذ وخاصة الميثرائية التي أتى بها من فارس والهلنستية التي جاء بها من الإغريق والتثليت الذي جاء به من الديانة المصرية القديمة .

أن أهم ما كان في الدين الذي جاء به المسيح هو"الميلاد الجديد للإنسان"وهذه سمة الرسالات السماوية جميعا ، التي تتنزل لتخليص البشر من أوهامهم الوثنية وانحرافاتهم ، وتقدم العقيدة الصحيحة لهم ، فتمنحهم ميلاداً جديداً ينعتقون فيه من أغلال الوهم ، وعبودية بعضهم لبعض ، ويرتفعون به إلى الوضع اللائق بهم: عباداً لله وحده ، متحررين من كل عبودية زائفة لغير الله .. وأن هذا"الميلاد الجديد للإنسان"هو الذي طمسته ديانة بولس ، فأعادت الناس إلى"الديانة القديمة"ديانة الكاهن والمذبح .. أي الديانات الوثنية التي كانت قائمة قبل الميلاد الجديد ..

ويقول برنتن:

"إن المسيحية الظافرة في مجمع نيقية - وهي العقيدة الرسمية في أعظم إمبراطورية في العالم - مخالفة كل المخالفة لمسيحية المسيحيين في الجليل (9) . ولو أن المرء اعتبر العهد الجديد التعبير النهائي عن العقيدة المسيحية لخرج من ذلك قطعاً لا بأن مسيحية القرن الرابع (10) تختلف عن المسيحية الأولى فحسب ، بل بأن مسيحية القرن الرابع لم تكن مسيحية بتاتاً" (11) .

وهي شهادة واضحة لا تحتاج إلى تعليق .

ويقول رينان الفيلسوف الفرنسي:

(1) أي للدين الذي عرفته أوربا .

(2) كما ينكر بعض الكتاب اليهود شخصية عبد الله بن سبأ الموازية في عملها لشخصية بولس ، فهذا دخل النصرانية ليفسدها من داخلها ، وذاك دخل الإسلام ليحاول إفساده من الداخل .

(3) مدارس الفلسفة الإغريقية وخاصة مدرسة الإسكندرية .

(4) مدرسة فلسفية أسسها الفيلسوف زينون مبنية على الزهد في متاع الحياة الدنيا وعدم المبالاة بلذائذ الحس وآلامه .

(5) ديانة فارسية قديمة ( عبادة مثرا إله النور )

(6) أي القربان البشري .

(7) كتاب"معالم تاريخ الإنسانية"ترجمة عبد العزيز توفيق جاويد ، طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة ، ج 3 . ص 705.

(8) المرجع السابق: ج 3 ص 708 - ص 709 .

(9) أي المسيحية الأولى المنزلة من عند الله كما جاء في كلام الكاتب في السطور التالية .

(10) أي المسيحية التي عرفتها أوربا واعتنقتها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت