فهرس الكتاب
(11) أفكار ورجال تأليف جرين برنتن ترجمة محمود محمود ص 207 من الترجمة العربية .
"إنه ينبغي لفهم تعليم يسوع المسيح الحقيقي كما كان يفهمه هو أن نبحث في تلك التفاسير والشروح الكاذبة التي شوهت وجه التعليم المسيحي حتى أخفته عن الأبصار تحت طبقة كثيفة من الظلام . ويرجع بحثنا إلى أيام بولس الذي لم يفهم تعليم المسيح بل حمله على محمل آخر ، ثم مزجه بكثير من تقاليد الفريسيين وتعاليم العهدالقديم (1) . وبولس كما لا يخفى كان رسولا للأمم ، أو رسول الجدال والمنازعات الدينية وكان يميل إلى المظاهر الخارجية الدينية كالختان وغيره ، فأدخل أمياله هذه على الدين المسيحي فأفسده . ومن عهد بولس ظهر التلمود المعروف بتعاليم الكنائس . وأما تعليم المسيح الأصلي الحقيقي فخسر صفته الإلهية الكمالية ... وإن أولئك الشراح والمفسرين يدعون المسيح إلها دون أن يقيموا على ذلك الحجة ، ويستندون في دعواهم على أقوال وردت في خمسة أسفار .. مع أن تلك الأقوال لا تدل أقل دلالة على أن المسيح هو الله" (2) .
ويتضح من شهادة رينان:
أن بولس كان المفسد الأول والأكبر لتعاليم المسيح عليه السلام .
أنه ألقى على الدين الجديد من عند نفسه ما لم يكن في الدين المنزل من عند الله .
أنه بعمل بولس وغيره من الشراح والمفسرين فقد الدين المنزل من عند الله صفته الإلهية الكمالية .
نعم .. لسنا نحن المسلمين الذين نقول إن الدين الذي اعتنقته أوربا لم يكن دين الله المنزل على عيسى عليه السلام ، إنما يقوله مؤرخهم وكتابهم ، ويقوله كل من يعرف حقائق التاريخ .
ولقد كان مدى التحريف هائلاً جداً في ذلك الدين الذي اعتنقته أوربا وظنت أنه دين الله .
ولم يكن التحريف في مجال العقيدة وحدها - وهو خطير في ذاته - ولكنه وقع في أمر آخر لا يقل خطرا عن العقيدة ، هو فصل العقيدة عن الشريعة ، وتقديم الدين للناس كأنه عقيدة فقط بغير تشريع !
وقد كان لهذا آثار بالغة الخطورة في حياة أوربا .. السياسية والاجتماعية والفكرية والاقتصادية .. وفي كل اتجاه .
لقد أشار"ويلز"إلى أن الدين قد تحول على يد بولس من بساطته وصفائه الذي جاء به عيسى ابن مريم إلى دين"المذابح والكاهن"الذي كان قائما في الديانات الوثنية السابقة .. وذلك حق .. وهو ذو صلة بالتحريف الذي أحدثه ذلك اليهودي المتنصر الذي دخل النصرانية ليفسدها من الداخل (3) ، كما فعل عبد الله بن سبأ بعد ذلك بعدة قرون حين دخل الإسلام ليحاول إفساده من الداخل ، ولكنه لم ينجح كما نجح شاول من قبل ، لأن الله تكفل بحفظ رسالته الخاتمة ، ببينما وَكَلَ حفظ الرسالات السابقة للبشر فضيعوها:
( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ... ) (4) .
)إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (5) .
وفرق كبير بين حفظ الله واستحفاظ البشر . فالكتاب الذي تكفل الله بحفظه قد بقي كما أنزل بغير تحريف ، فظل قائما ليطبق في واقع الأرض ، وليرجع الناس إليه كلما همّ أحد أن يحدث تغييرا في أصول الدين ، بينما حرفت الكتب الأخرى التي وكل حفظها إلى البشر ، وسهل على أصحاب الأهواء - ومن بينهم ذلك اليهودي المتنصر - أن يحدثوا في دين الله ما ليس فيه ، كما تبين من شهادات الذين استشهدنا بهم آنفا من الكتاب النصارى أنفسهم .
وكما قلنا لم يكن التحريف مقصورا على العقيدة ( تأليه عيسى ، وادعاء بنوته لله سبحانه وتعالى ، وضم إله ثالث إليهما ليصبح الإله ثلاثة في واحد: الأب والابن وروح القدس ) إنما أضيف إليه فصل العقيدة عن الشريعة ، وتقديم الدين للناس عقيدة بلا شريعة ، تحت شعار لا سند له من دين الله المنزل ، قوامه"أدِّ ما لقيصر لقيصر وما لله لله !" (6) .
(1) يرجع رينان ما أدخله بولس من الفساد على دين المسيح عيسى عليه السلام إلى أنه لم يفهم تعاليم المسيح ، ونحن نرجح أن المسألة لم تكن عدم الفهم ، إنما كانت الخلط المتعمد .. ومع ذلك فلو فرضنا جدلا أن المسألة نشأت عن عدم الفهم ، فتبقى الحقيقة قائمة: أن دين بولس ليس هو الدين المنزل من عند الله .
(2) عن محاضرات في النصرانية للشيخ محمد أبو زهرة ص 215 .
(3) أشرنا إلى شاول وقصة دخوله في النصرانية في كتاب"رؤية إسلامية لأحوال العالم المعاصر"ص 76 ويراجع في ذلك كتاب".محاضرات في النصرانية"لمحمد أبو زهرة .
(4) سورة المائدة [ 44 ] .
(5) سورة الحجر [ 9 ] .
(6) أشرنا إلى هذه المقولة المنسوبة للمسيح في كتاب"مذاهب فكرية معاصرة"ص 16 ، وقلنا إنه يتعذر توثيق نسبتها إلى المسيح ، وإنها حتى لو ثبتت نسبتها إليه فلا يمكن أن يكون المقصود بها إعطاء قيصر حق التشريع من دون الله ، إنما يقصد بها عدم الدخول في معركة مع القيصر في فترة الاستضعاف .