فهرس الكتاب

الصفحة 4774 من 27364

ومن شأن الدين المحرف على هذا النحو أن يتحول علماؤه - أو رجاله - إلى كهنة ، وأن يتحول الكهنة مع الزمن إلى وسطاء بين البشر وبين الله ، فيكون لهم سلطانٌ طاغٍ على أرواح الناس ..

إن لكل دين"رجالا"مهمتهم أن يتفقهوا في الدين ليعلموا الناس أمور دينهم التي لا يستطيعون أن يتعرفوا عليها بأنفسهم ، فيتعلموها على يد أولئك الذين تفقهوا فيها .

وحين يكون الدين عقيدة وشعيرة وشريعة ، وعلما للدنيا والآخرة ، يكون هؤلاء"الرجال"علماء وفقهاء ، ودعاة ومربين ، يربون بالقدوة الطيبة وبالعلم النافع الذي يبصّر الناس بآخرتهم ودنياهم .

أما حين يكون الدين عقيدة فقط بغير شريعة ، وعقيدة محرّفة على هذا النحو الذي لا يستطيع العقل أن يدركه أو يسيغه ، فهنا تنحصر مهمة أولئك"الرجال"في محاولة وصل الناس بربهم عن طريق الجانب الروحاني وحده من ذلك الدين ، دون الجانب الفكري أو العقلاني - لأنه أصلا لا يخضع للعقل - ودون الجانب الفقهي والتعليمي الذي يبصّر الناس بمنهج الحياة الصحيح الذي ينظم لهم جوانب الحياة المختلفة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية والفكرية .. فينقلب أولئك"الرجال"بمقتضى ذلك الحال إلى"كهنة"يحتفظون"بالأسرار".. الأسرار التي تستعصي على أفهام الناس ، ويصبحون - بمقتضى ذلك الحال أيضا - وسطاء بين العبد والرب ، لأن الطريق بين العبد والرب محفوف بتلك الأسرار العجيبة التي تحتاج إلى وسيط يفسرها للعبد ، وهو سالك طريقه إلى الله ، أو على الأقل يؤنسه في وحشة الطريق الغامض الذي يسلكه إلى الله ، فيطلق له إشعاعة روحية يحاول بها أن يهتدي في منعرجات الطريق !

وهكذا أصبح"رجال الدين"في النصرانية المحرفة"كهنة"كما أشار"ويلز"يقومون بالطقوس التعبدية ، ويحتكرون تفسير الوحي ، فأصبح لهم نفوذ هائل على أرواح الناس .. وكانت تلك هي نقطة البداية الخطيرة التي أدت إلى الطغيان الهائل الذي مارسته الكنيسة ورجال الدين ..

إن"الكنيسة"ذاتها بدعة مبتدعة لم يتنزل بها سلطان من عند الله .

ففي الديانة اليهودية التي نزلت لبني إسرائيل قسّم الرب الإله - كما تروي التوراة - مهام أسباط بني إسرائيل ، فعهد إلى اللاويين - أبناء لاوى بن يعقوب - بمهمة تطبيق الشريعة ، لا بوصفهم"كنيسة"ولكن بوصفهم قضاة يحكمون بين الناس بما أنزل الله في التوراة ( بصرف النظر عما أحدثوه من تحريف في تشريعات التوراة ذاتها ) وكان هذا أشبه بتنظيم إداري ، لا يجعل للاويين قداسة خاصة دون بقية بني إسرائيل .

ثم أرسل عيسى عليه السلام لبني إسرائيل مصدقا لما بين يديه من التوراة وليحل لهم بعض الذي كان قد حرم عليهم بسبب كفرهم ، كما جاء على لسانه في القرآن الكريم:

( وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) (1) .

فكان المفروض أن يجري الأمر في عهد عيسى عليه السلام على ذات النسق الذي جرى به على عهد موسى عليه السلام ، مع التعديلات التي وردت في التشريع . أما الكنيسة التي ابتدعتها النصرانية المحرفة فلا أصل لها في دين الله ولا سند .. إلا ذلك السند المزيف المنسوب إلى المسيح:"أنت بطرس . وعلى هذه الصخرة ابن كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها . وأعطيك مفاتيح ملكوت السموات ، فكل ما تربطه في الأرض يكون مربوطا في السموات ، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولا في السموات !!" (2) .

إنها قولة لا تصدر عن نبي ! فعيسى نفسه - عليه السلام - لا يملك أن يربط شيئا أو يحله في الأرض إلا بإذن ربه ، وليس له أن يحل أو يحرم إلا بإذن الله:

( لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً ) (3) .

( قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ) (4) .

فإذا كان هذا هو حال المسيح نفسه - عليه السلام - فكيف يمنح هذا الحق الذي لا يملكه لنفسه - فيعطيه لبطرس أو غيره من البشر ، وهو حق الله الخالص الذي لا يشاركه فيه أحد على الإطلاق ؟

(1) سورة آل عمران [ 49 - 50 ] .

(2) إنجيل متى ، الإصحاح السادس عشر ، [ 19 - 20 ] .

(3) سورة النساء [ 172 ] .

(4) سورة المائدة [ 17 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت