فهرس الكتاب
ولكن الكنيسة نشأت واستمدت سلطانها الزائف من تلك الأسطورة المنسوبة للمسيح ، وأصبحت هي ذاتها إحدى تحريفات ذلك الدين !
ثم إن الكنيسة لم تكتف بسلطانها الروحي على قلوب الناس ، الذي يفهم من شعارها ذاته الذي رفعته منسوبا إلى المسيح:"أدّ ما لقيصر لقيصر وما لله لله".. إنما كان ذلك في وقت استضعافها في القرون الثلاثة الأولى ، حيث كان النصارى مضطهدين في عهد القياصرة الوثنيين الذين كانوا يحكمون الإمبراطورية الرومانية ويشتدون في اضطهاد النصارى وتعذيبهم ومطاردتهم حتى سكنوا الأديرة فراراً بدينهم من الاضطهاد الواقع عليهم ، الذي كان يصل أحيانا إلى حد إلقائهم إلى الأسود الجائعة لتفتك بهم أحياءً ، أو تعليقهم أحياءً على الصلبان حتى الموت ، وهي الطريقة التي كان الرومان يستخدمونها لتنفيذ أحكام الإعدام !
ولكن الكنيسة استأسدت بعد ذلك في القرن الرابع حين دخل قسطنطين في النصرانية لأهداف سياسية كما يقول المؤرخون ، ومكن للكنيسة ورجالها ، بعد أن أفلح في مزج دينها بأساطير الوثنية ، وأرضى بذلك النصارى والوثنيين معا ، وأمَّن سلطانه على الإمبراطورية التي كان النزاع الديني قد أوشك على القضاء عليها !
يقول درابر الأمريكي في كتاب"الدين والعلم"
"ودخلت الوثنية والشرك في النصرانية بتأثير المنافقين الذين تقلدوا وظائف خطيرة ومناصب عالية في الدولة الرومية بتظاهرهم بالنصرانية ، ولم يكونوا يحفلون بأمر الدين ولم يخلصوا له يوما من الأيام .. وكذلك كان قسطنطين .. فقد قضى عمره في الظلم والفجور ، ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلاً في آخر عمره .."
"وإن هذا الإمبراطور الذي كان عبداً للدنيا ، والذي لم تكن عقائده الدينية تساوي شيئا ، رأى لمصلحته الشخصية ، ولمصلحة الحزبين المتنافسين - النصراني والوثني - أن يوحدهما ويؤلف بينهما ، حتى إن النصارى الراسخين أيضا لم ينكروا عليه هذه الخطة ! ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طعمت ولقحت بالعقائد الوثنية القديمة ! وسيخلص الدين النصراني عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها !" (1) .
وحين أصبح للكنيسة سلطان سياسي إلى جانب السلطان الروحي بدأ الطغيان !
إن الطغيان طبع بشري لا يحتاج أن نبحث له عن أسباب:
( كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى َنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) (2) .
إنما يمنع الناس من الطغيان شيء واحد من داخل نفوسهم ، هو تقوى الله . أو شيء واحد من خارج نفوسهم هو الخوف من قوة أخرى مكافئة لقوتهم أو زائدة عليها ! ولم يروا أحد من المؤرخين أن ضمائر"رجال الدين"كانت فوق مستوى الشبهات ، بل رووا أن كثيرا منهم كانوا على عكس ذلك ، فلما ملكوا السلطان السياسي فما الذي كان يمنعهم من الطغيان وهم يملكون من قبل ذلك السلطان الهائل على وجدان الناس ؟!
فرضوا سلطانهم على الأباطرة .. وأصدر البابا"نقولا الأول"بيانا قال فيه:
"إن ابن الله أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها . وإن أساقفة روما قد ورثوا سلطات بطرس في تسلسل مستمر متصل . ولذلك فإن البابا - ممثل الله على ظهر الأرض - يجب أن تكون له السيادة والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين حكاما كانوا أو محكومين" (3) .
وفرضوا لأنفسهم عشور أموال الناس ، فضلا عن تشغيل الناس سخرة في حقول الكنيسة التي سرعان ما أصبحت في ظل وضعها الجديد من ذوات الإقطاع ، وفضلا عن الإتاوات المفروضة على الأغنياء ، والوصايا المأخوذة بسيف الحياء حين يستدعى"الكاهن"لكتابة الوصية قبل الموت !
(1) نقلا عن كتاب"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين"للسيد أبي الحسن الندوى"."
(2) سورة العلق [ 6 - 7 ] .
(3) قصة الحضارة لول ديورانت ترجمة عبد العزيز جاويد ، طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر بالقاهرة ، ج 14 ص 352 .