فهرس الكتاب
ثم فرضوا سلطاناً فكرياً رهيباً يحجر على العقول أن تفكر إلا بإذن الكنيسة ، وفي الحدود التي تسمح بها الكنيسة ! وقد كان هذا بالنسبة للكنيسة ضرورة لازمة منطقية مع التحريف الذي حدث في ذلك الدين ! فالإله الواحد الذي أصبح ثلاثة ، والثلاثة الذين هم في ذات الوقت واحد .. والعشاء الرباني الذي تتحول فيه كسرة الخبز إلى جسد المسيح ، وجرعة الخمر التي تغمس فيها كسرة الخبز إلى دم المسيح وتتجدد به الصلة بين العبد والرب حين يأكل الإنسان جسد المسيح ويشرب من دمه ! وكرسي الاعتراف الذي يصعد منه غفران"الكاهن"للذنوب إلى"الرب"فيعتمده في عليائه ، وصك الغفران الذي يكتبه الكاهن في الأرض فيدخل به الإنسان الجنة في الآخرة بغير حساب .. إلى عشرات من أمثال تلك"الأسرار !"التي هي في حقيقتها أساطير .. كلها أمور لا يستطيع"العقل"أن يدركها ولا أن يتدبرها .. فماذا لو أعمل الناس عقولهم ، فاكتشفت عقولهم أن كل ما يقال لهم باسم"العقيدة"كلام لا يثبت للتمحيص ؟! ماذا يبقى للكنيسة عندئذ من سلطان على الناس ؟! الحل الأمثل لهذه الحال إذن أن تحجر الكنيسة على العقل ، وأن يعتبر التفكير هرطقة تفضي إلى إهدار الدم في الدنيا ، والحرمان من الغفران في الآخرة !
ثم لما بدأت العلوم تتسرب إلى أوربا من العالم الإسلامي عن طريق الترجمة ، وتحدث ما يمكن أن نسميه"غزوا فكرياً إسلامياً"خاصة بعد هزيمة النصرانية أمام المسلمين في الحروب الصليبية (1) .. جن جنون الكنيسة ففرضت حجرا على"العلم"وأهدرت دم كل من يقول - يومئذ - بكروية الأرض ، أو أنها ليست مركز الكون ، وهو العلم الذي نقله علماء النصارى الأوائل من مؤلفات العلماء المسلمين ! (2) .
ثم لما زاد تشكك النصارى في سلامة العقيدة التي تلزمهم بها الكنيسة ، وتحجر عليهم التفكير في شأنها تحت شعار:"آمن ولا تناقش"، وزاد تمرد"المفكرين الأحرار" (3) على سلطان الكنيسة الطاغي ، ابتدعت الكنيسة آخر ما رمت به الناس من فنون الاضطهاد ، وهو محاكم التفتيش ، بكل بشاعاتها التي تقشعر لها الأبدان .
يقول"ويلز":
"شهد القرن الثالث عشر تطور منظمة جديدة في الكنيسة هي محكمة التفتيش البابوية ... وبهذه الأداة نصبت الكنيسة نفسها لمهاجمة الضمير الإنساني بالنار والعذاب .. وقبل القرن الثالث عشر لم تنزل عقوبة الإعدام إلا نادرا بالملاحدة والكفار . فأما الآن فإن كبار رجال الكنيسة كانوا يقفون في مائة ساحة من ساحات الأسواق في أوربا ليراقبوا أجسام أعدائها - وهم في غالبية الأمر قوم فقراء لا وزن لهم - تحترق بالنار وتخمد أنفاسهم بحالة محزنة . وتحترق وتخمد معهم في نفس الحين الرسالة العظمى لرجال الكنيسة إلى البشرية ، فتصبح رمادا تذروه الرياح" (4) .
لم يكن ذلك كل ما فعلته الكنيسة في تنفير الناس من ذلك الدين ..
فقد انقلب الدين على يد الكنيسة إلى عامل معوّق عن الحياة ، مضاد للعلم والحضارة والتقدم والرقي ، محقّر للإنسان ونزعاته الحيوية ، مهملٍ للحياة الدنيا بوهم العمل على خلاص الروح ، والتهيؤ لملكوت الله في الآخرة .
ينسب للمسيح عليه السلام أنه قال:"إذا أعثرتك عينك فاقلعها وألقها عنك فإنه خير لك أن يهلك منك عضو واحد من أن يلقى بدنك كله في النار"
وأنه قال:"من أراد الملكوت فليترك ماله وأهله وليتبعني".
وأنه قال:"من أراد الملكوت فليحمل صليبه وليتبعني" (5) .
وكلها دعوة للزهد في الحياة الدنيا والارتفاع عن الشهوات ..
وكلها لا يستبعد أن تصدر عن رسول من رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم ، فضلا عن الرسول الذي أرسل إلى اليهود خاصة الذين كان حب الحياة الدنيا قد أعماهم عن الآخرة ، وحب المال وعبادة الذهب قد أديا بهم إلى الكفر بالله .
ومثل هذه الدعوة تجدها في آيات الكتاب المبين ، وفي أحاديث الرسول صلى الله عيه وسلم:
(1) لا يعطَى هذا الأمر - وهو هزيمة النصارى النهائية في الحروب الصليبية - حقه من البحث فيما يكتبه المؤرخون حتى المسلمون منهم - لأننا في الغالب نرجع إلى المراجع الأوربية ، وهم يكرهون أن يذكروا الحقائق المتعلقة بهزيمتهم ، ومن بينها أن هذه الهزيمة قد هيأت نفوسهم لنقل الحضارة والعلوم الإسلامية والتأثر بها ، وأن هذا كان بدء"النهضة الأوربية"!
(2) كان علماء المسلمين قد اهتدوا إلى هذه الحقائق منذ القرن الثالث الهجري - التاسع الميلادي - ولكن أوربا لم تتعرف عليها إلا بعد حركة الترجمة ابتداء من القرن الثاني عشر وما تلاه .
(3) كلمة F r ee Thinke r s لا تعني"المفكر الحر"بالمعنى الذي يتبادر إلى أذهاننا حين نقرأ هذه الكلمة ، ولكنها مرادفة للإلحاد .
(4) ويلز ، معالم تاريخ الإنسانية ، ج 3 ، ص 908 - 909 .
(5) بمعنى فليوطن نفسه على ملاقاة الموت ، فقد كانت طريقة الرومان في تنفيذ أحكام الإعدام هي التعليق على الصليب .. وليس المعنى حمل صليب من ذهب أو فضة كما يفعل بعض النصارى !!