فهرس الكتاب
اطمئن..
لن أقول لك اقطع الكوبون في أسفل الصفحة و أرسله مع اسمك و عنوانك مع الأجوبة على الاستفتاء كذا.. و لن أحول الموضوع إلى مسابقة تنفق عليها (( سيجال ) )أو إعلان توزع جوائزه (( رابسو ) ).
إنما الموضوع جد.
و سوف أفكر معك بجد. و لنبدأ من أمثلة بسيطة.
و في مثل هذا البرد الشديد لا بد أنك فكرت كيف تتدفأ.
و كذلك فكر الإنسان البدائي عندما داهمته أول موجة برد.. و أعمل ذهنه.. و ظل يخبط جبهته بيده و يخبط حجرا بحجر و هو شارد.. و اندلعت أول شرارة مصادفة من صك الحجر بالحجر.. و حملق الإنسان المذهول في هذه الظاهرة العجيبة.
و لا شك أنه قد اتخذها بعد ذلك لعبة.. حتى أمسكت الشرارة ذات مساء بعود قش جاف و أضرمته نارا.
و تعلم الإنسان منذ ذلك اليوم كيف يحتطب و يجمع الأخشاب، و يشعل النار و يرقص حولها، و يطهو طعامه و يتدفأ.
ثم اكتشف الفحم.
ثم اكتشف البترول.
ثم اكتشف الغاز الطبيعي القابل للاشتعال.
ثم اكتشف الكهرباء.
ثم اكتشف جهاز التكييف.
و كانت أول ثروة طبيعية للإنسان هي يديه و حيلته.
و عن طريق يديه صنع الأدوات.
و بهذه الأدوات قطع الأشجار و حفر الأرض لاستخراج الفحم.
و كان هناك رجل أكثر ذكاء اكتفى بالجلوس بعيدا لا يعمل يديه في شيء و إنما يأخذ مما جمعه العامل ليبيعه.
ثم ظهر أناس أكثر ذكاء لا يعملون أي شيء سوى أن يقوموا بالوساطة بين الأيدي التي تأخذ و تعطي، و يقبضون في مقابل هذه العملية سمسرة تفوق ما يربحه العامل و البائع.
ثم تعقدت أدوات الإنتاج لتتحول إلى مصانع.
و أصبح المصنع هو قلعة الحاوي التي يوضع تحتها التراب فيخرج منها حديدا و أسياخا و صفائح صلب و سيارات و أجهزة تكييف.. مع ربح هائل يدخل معظمه في جيب صاحب المصنع.
ثم ظهرت مؤسسات بهلوانية اسمها الشركات وظيفتها الإعلان و التسويق و الترويج و البيع و التجارة في تلك المنتجات.. تقوم بالوساطة بين المصنع و بين المشتري و تكسب من الإثنين أكثر مما يكسبه الصانع و صاحب المصنع.
و لأن المال السائل في قدرته أن يشتري المصنع و يؤسس الشركة فقد أصبح رأس المال بذاته قادرا على التوالد و التكاثر بدون أن يعمل صاحبه في شيء.. فقط ما عليه إلا أن يودعه في بنك فيلد له نسبة مئوية كل سنة.. فإذا أقام به مصنعا أو أسس به شركة فسوف يحصل على نسبة أكبر من الربح.. و إذا وقف يقامر به في البورصة على اضطراب الأسعار نزولا و صعودا مع اختلاف إلى العرض و الطلب و مع أزمات السياسة و حمى الفقر و الغنى التي تتداول الناس و الشعوب فسوف يكسب أكثرمن الكل لأنه سوف يتاجر في الفلوس ذاتها، و سوف يتاجر في التجارة و في سعر الذهب و الورق الذي لا يستقر على حال.
و الأغنياء و الأذكياء الجدد الذين اشتروا بأموالهم كل شيء مما كانوا يحلمون به من أرض و دور و قصور و متاع لم يقفوا عند حد، لأن ثرواتهم لم تكن تقف عند حد، فبدأوا يشترون الذمم ثم يشترون الأحزاب و الحكومات ثم يحركون السلطة لصالحهم فيدفعونها إلى تجييش الجيوش و غزو البلاد المتخلفة و استعمارها لتكون أسواقا جديدة، و مصادر جديدة للثروة و القوة.
و آخر صورة محزنة من هذا الذكاء البشري هو ما نراه الآن، فالأقوياء الأغنياء لم يعودوا يفكرون حتى في أن يحاربوا.. و إنما اكتفت الدول الكبرى بأن تصنع السلاح ثم تبيعه للأمم الفقيرة الصغيرة لتقتل به بعضها بعضا.. و تطوع الأذكياء بإشعال الفتن في هذه الدول الصغيرة البائسة. كلما نامت الخلافات أوقدوا نارها.. بين الهندوس و المسلمين في الهند، و بين المسلمين و المسيحيين في نيجيريا، و بين الكاثوليك و البروتستانت في ايرلندا، لتظل الحرب مشتعلة تأكل السلاح و تبقي على الصغار صغارا و تجعل الكبار أكبر و الأغنياء أغنى.
و برغم دعاوي الاشتراكية ظل القانون القديم سائدا.. إن من عنده يربح فيزداد.. و من ليس عنده يخسر أكثر فأكثر.. الكبير يزداد كبرا و الصغير يزداد صغرا.
و العلم بتطوره السريع يهدد المتخلفين الذين يزدادون تخلفا في معاركهم مع الكبار.. يهددهم بأن يتحولوا إلى قرود، بالنسبة إلى الأدوات العلمية التي تتطور في أيدي الكبار فتحولهم إلى عمالقة و أنصاف أرباب.
و الدول الكبرى لم تعد تتصرف بحكم المبادئ و الأيديولوجيات.. و إنما أصبحت تتصرف بحكم كونها كبرى و يجب أن تظل كبرى و تصير أكبر في مواجهة دول أخرى (( كبرى ) )تحاول أن تكون أكبر و في حلبة الصراع بين الكبار.. تدوس الأقدام الصغار.. و تدوس مصالحهم، و تدوس حياتهم.
هل فهمت شيئا من هذه القصة.
لقد فهمت شيئا من السياسة.