فهرس الكتاب

الصفحة 6010 من 27364

أ.د. عبد الكريم بكار 5/9/1424

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإن إنجازاتنا وعطاءاتنا تخضع لثلاثة عوامل أساسية، هي:

1-ما ورثناه عن آبائنا وأجدادنا من خصائص عقلية ونفسية وجسمية.

2-البيئة التي نعيش فيها بما تشتمل عليه من مفاهيم وأعراف وتقاليد وبنى تحتية ومرافق عامة...

3-الجهود الشخصية والخاصة التي نبذلها في تثقيف عقولنا، وتزكية نفوسنا وصقل مهاراتنا، واستثمار الفرص المتاحة لنا.

ولا يخفى أن بين هذه العوامل الثلاثة علاقة جدلية مستمرة، فالذكاء المتفوق والقدرات الذهنية الممتازة تساعد المرء على أن يستفيد على أحسن وجه من المعطيات التي توفرها البيئة، كما أنها تجعله يدرك بسرعة حدود إمكاناته الحقيقية وطبيعة التحديات التي يلاقيها والطريقة المثلى لمواجهتها والتصرف حيالها.

البيئة الجيدة تجعل عمل الناس أسهل، وتوفر لهم الظروف التي تساعدهم على التفوق والارتقاء وهكذا..

والذي نستفيده من هذا هو أن التفوق في الجهد أو البيئة أو الموروث الجيني، سوف يخفف من أضرار القصور في الجانبين الآخرين. وأن أي قصور في أي جانب أو عامل من هذه الثلاثة سيؤثر سلباً في أداء العاملين الآخرين، وأعتقد أن التكامل والتفاعل بين ما ذكرنا يشكّل مظهراً من مظاهر ابتلاء الله -جل وعلا- لنا في هذه الحياة؛ حيث إن إمكانات الارتقاء والتقدم ستظل موجودة مهما كان الموروث الجيني سلبياً وضعيفاً، أو كانت البيئة صعبة وغير مواتية؛ وذلك من خلال تنمية الإمكانات الشخصية وبرمجة الوقت وتحديد الأهداف واكتساب المهارات، وقبل ذلك كله العبودية الحقة لله -تعالى- والاستعانة به، والتأهل لتوفيقه وفيوضاته غير المحدودة.

ولو أننا تأملنا في سير أولئك الذين صاغوا أمجاد هذه الأمة، وشيّدوا صرح حضارتها لوجدنا صدق ما نقول.

وأحب هنا أن أبلور المفهومات الثلاث الآتية:

أولاً: ما دامت المحصلات النهائية لكل جهودنا الدعوية والإصلاحية والتعليمية خاضعة لموروثاتنا عن الآباء والأجداد، وخاضعة للبيئة التي نعيش فيها وللجهد اليومي الذي نبذله، وما دامت كل هذه الأمور لا تكون أبداً حدِّية وكاملة؛ فإن المتوقع آنذاك أن تكون النتائج التي نحصل عليها مشوبة دائماً بالنقص والقصور، وستظل دائماً أقل مما نريد؛ فأنت لا تستطيع أن تصل إلى حلول كاملة في وسط غير كامل، وستظل هناك فجوة بين طموحاتنا وبين ما يتحقق على الأرض. هذا يعني أيضاً أننا سنظل نشكو ونشكو، وكأن الوعي البشري اخترع الشكوى من سوء الأحوال، ليتخذ منها محرضاً على التقدم.

وإذا تتبعنا هذه السلسلة من الإحالات والاستنتاجات فسنصل إلى الاعتقاد بأنه لن يكون في هذه الدنيا لأي أمة من الأمم أو جماعة من الجماعات أو فرد من الأفراد - نصر حاسم ونهائي- لا يقبل الجدل ولا الشك والنقد. ولهذا فإن الذين يحلمون بانتصارات نقية وتامة سيظلون يصابون بصدمات الإحباط وخيبات الآمال!.

ثانياً: إذا كان الأمر على هذه الصورة؛ فهذا يعني أننا لن نصل أبداً إلى اليوم الذي نعتقد فيه أننا قد حصلنا على البيئة المثلى للعمل والإنجاز، ولا على الأدوات التي نحتاجها لتحقيق أقصى الطموحات، وسنظل نشعر بوجود درجة من المجازفة والمخاطرة عند اتخاذ أي قرار حاسم في أي اتجاه. وهذا يجعلنا نبلور مفهوماً جوهرياً، هو:"اعمل ما هو ممكن الآن، ولا تنتظر تحسن الظروف".

وهذا المفهوم يقوم على مسلّمتين هما:

1-هناك دائماً إمكانية لعمل شيء جيد لأنفسنا وديننا والناس من حولنا.

2-مهما تحسنت الظروف؛ فإنه سيظل هناك من يمكنه أن يظن أن الظرف المطلوب توفره من أجل الإنجاز لم يتهيأ بعد.

ثالثاً: هناك مسلمون كثيرون مصابون بفقر شديد في الخيال، فهم خاضعون لمقولات مستعجلة أطلقها أعلام ومشاهير لم تنضج رؤيتهم لفيزياء التقدم ولا لطبيعة العلاقات التي تحكم قوى التحدي والاستجابة، ومن ثم فإنهم قد صاروا أشبه بمن وضع القيد بنفسه في رجليه في أجواء عاصفة وخطرة!.

إن الخيال نعمة كبرى من الله -جل وعلا-، وقد كان نابليون يقول:"إن مؤسساتنا مصابة بمحدودية الخيال، ولولا الخيال لكان الإنسان بهيمة". ويكفيني هنا لفت النظر إلى مسألة تتجلى فيها محدودية الخيال وعقمه الشديد:

من الواضح أن جمهرة غير قليلة من أبناء الجماعات والدعوات الإسلامية يعتقدون أن تطورات مذهلة سوف تطرأ على الحياة الإسلامية إذا قامت الدولة (الحلم) التي تسيّر شؤون الناس، ولهذا فإنهم عطلوا الكثير من الجهود، وأضاعوا الكثير من الفرص، وعلّقوا توازن أعداد هائلة من الناس على تحقيق ما يتطلّعون إليه!؛ بل إن الأمر تجاوز ذلك إلى ما هو أسوأ، وهو الاعتقاد بأنهم لا يستطيعون إنجاز أي شيء ذي قيمة إلا في ظل دولة إسلامية راشدة. وتلك الدولة ينبغي أن تكون من الطراز العمري، فإذا كانت من مستوى الحكومات الأموية أو العباسية، فربما كانت لا تستحق أقل من الثورة!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت