شبكة البصرة
صلاح المختار
رغم تراجع الحديث حول (حوار الحضارات) عقب أحداث 11/9/2001م في أميركا، وطغيان واقع (صراع الحضارات) فإن ثمة من استمر في الدعوة للحوار! ورغم أن هذه الدعوة سليمة من حيث المبدأ بيد أن سلامتها، كي تكتمل ، يجب على الطرف الآخر، وهو الأقوى ، أن يثبت حسن نواياه بالأفعال والإجراءات وليس بالأقوال والادعاءات. ولقد أكدت أحداث غزو العراق واستكلاب الغزو الصهيوني في فلسطين مؤخراً، أن الغرب الرسمي، وبمشاركة قسم كبير من الغرب الشعبي الذي ينتخب حكوماته الاستعمارية ، يشن حرب إبادة شاملة ضد الأمة العربية والإسلام . من هنا تفرض الضرورة تسليط الضوء على جوانب أساسية من موضوع علاقاتنا مع الغرب لتأكيد أن ثمة مؤامرة كبرى ، بل هي الأعظم والأخطر في تاريخنا العربي والإسلامي كله، هدفها استعبادنا ونهب ثرواتنا ومحو هويتنا القومية والدينية عبر الغزو والإبادة الجماعية للعرب أفراداً وحكومات وشعباً.
حوار المتباينين
ولا يقصد هنا التباين في الآراء والمصالح ، فمن الطبيعي أن يجري الحوار بين مختلفين، إنما المقصود هو أن طرفي (حوار الحضارات) غير متكافئين، فالأول، وهو الغرب الذي يضم أميركا الشمالية وأوروبا، متفوق بشكل مطلق في أغلب نواحي الحياة، خصوصاً تلك المتعلقة بالقوة الغاشمة، أما الطرف الثاني، وهو الوطن العربي والعالم الإسلامي، فإنهما الأضعف والأكثر تمزقاً وفرقة رغم ما يملكانه من إمكانات هائلة كان بالامكان استخدامها لتحقيق نوع من التوازن في القوى، لو استخدمت وتمت السيطرة عليها من قبل العرب، لكنها بيد الغرب منذ عقود طويلة!
ما الذي يجبر طرفاً قوياً ومتفوقاً على احترام ومراعاة مصالح طرف ضعيف لا يملك (بيده فعلاً) أدوات ووسائل الضغط ؟ إن ما يجعل القوي يحترم مصالح الضعيف هو رادع القيم الإنسانية العليا، وفي مقدمتها العدالة واحترام كل إنسان، بغض النظر عن جنسه، والحفاظ على الحقوق الشرعية. ولكن إذا كان الغرب مجرداً من القيم الإنسانية العليا تماما، وهو واقع أثبتته ظاهرة الاستعمار الغربي الذي قتل عشرات الملايين من شعوب العالم الثالث، ونحن العرب الآن نتعرض لأبشع (هولوكوست) يصنعه الغرب ( بعد ابادة 112 مليون هندي احمر هم من كانوا سكان امريكا الاصليين ، كما اثبت الباحث الاستاذ منير العكش ، وكان عدد سكان اوربا كلها انذاك هو55 مليون انسان ) مدفوعاً ايضاً بقوة الصهيونية، خصوصاً في العراق وفلسطين، حيث صار المثل السائد هو: (اقتل عربياً وامشي) ، إذا كان الوضع هو كذلك كيف نتوقع من الغرب أن يحترم مصالحنا وحقوقنا؟
إن ما حصل ويحصل في عشرات سجون العراق من اغتصاب جنسي وتعذيب حتى الموت وقتل عشوائي للمواطنين، ونهب وتدمير العراق، والذي وصل عدد ضحاياه منذ عام 1991 إلى أكثر من مليوني عراقي ماتوا، هو أفظع دليل ومشهد على انعدام الضمير الإنساني في الغرب الرسمي وفي قسم كبير من الغرب الشعبي الذي يرى لكنه يسكت، أو يكتفي بالقول (ان هذا خطأ) ثم يسكت تاركاً حكامه يقتلون ويغتصبون ويسرقون و يعيد انتخابهم ! وما يجري في فلسطين هو صورة مصغرة لما يجري في العراق. ومن المؤسف أن نلاحظ أن أكثر حكومات الغرب الأوروبي (اعتدالاً) وهما حكومتا فرنسا وألمانيا، لا تتخذان من المواقف ما يثبت أنهما تختلفان جذريا عن حكومتي الولايات المتحدة وإسرائيل، إذ رغم المجازر البشعة ضد المدنيين في العراق وفلسطين ورغم النهب والتدمير المنظم فإنهما يكتفيان بالتعبير عن الأسف !
ولإدراك حجم التشابه بين أوروبا وأمريكا لا بد أن نشير إلى ردود فعل فرنسا وألمانيا على عملية استشهادية يقوم بها فلسطيني وطنه محتل، فنجد شيراك شخصياً وشرويدر شخصياً يلعنان ويشتمان بأبشع الأوصاف النضال الفلسطيني! ولو قارنا رد فعل فرنسا وألمانيا على دخول العراق للكويت، برد فعلمها على غزو أميركا للعراق تتضح لنا أسطورة وأكذوبة وجود فرق جوهري بين أميركا والغرب ، ففي حالة الكويت ساهمت فرنسا بالحرب وبشراسة فاقت شراسة البريطانيين في قتل العراقيين ، ولعل قصف المقاتلات الفرنسية لسوق الفلوجة وقتل عشرات المدنيين في عام 1991 هو اوضح مثال يثبت ان فرنسا قد مارست قتل المدنيين في الفلوجة قبل الامريكيين ، وفي حالة غزو العراق فإن فرنسا وألمانيا اعترضتا دون استخدام فرنسا للفيتو، وبشكل لين انتهى بالاعتراف بغزو العراق لاحقاً! أما ألمانيا فقد دفعت في عام 1990م مبلغ عشرة مليارات دولار مساهمة في الحرب ضد العراق، وهاهي الآن تبيع السلاح لقوات غزو العراق وتؤيد الاحتلال ويعلن وزير دفاعها عن وجود احتمال ارسال قوات المانية الى العراق لمساعدة امريكا على الخروج من المستنقع العراقي الخطير ، بل الاخطر من حرب فيتنام !