إنّ عملية احتواء الصراعات الثقافية والحضارية ونشدان الصيغ الإنسانية للقضايا المتنازع عليها لهي ضرورة حضارية أكيدة. ومن جانب آخر، فإن على الأطراف كافة التخلي عن ''الفوقية'' ونزْع وهم ''النخبوية''، وعلى حكومات الدول الغربية السعي الجدي لإحداث التواصل الفعلي والبناء، إنْ هي أرادت أن تحافظ على مصالحها كافة بما فيها الاقتصادية والاجتماعية، وأن تتعامل مع العالم الإسلامي من باب التواصل لا أن تتعامل معه بعقلية المتفوّق المستعمر المسيطر، وعليها أن تقدم لشعوبها مفاهيم واضحة عن أبجديات الثقافات الأخرى، وتفتح لهم أفق التحاور الجاد، وعدم المساس بما هو ''مقدس'' عند غيرهم من الحضارات الأخرى .
حق الانقلاب الثقافي
-لكن الأزمات لا تزال مستمرة، والأخبار كلّ يوم تقدّم الجديد على هذا الصّعيد!
-إنّ الخطوة الأولى في تخفيف حدّة الأزمات تبدأ بالإقرار بأنّ الانقلاب الثقافي العميق مطلوب للحضارات الإنسانية كافة للتغلب على الصراعات الدائرة.
واليوم نشعر بالحاجة القصوى لاستخدام كل مناهج العلوم الاجتماعية وإمكانياتها المعرفية بل ونتخطاها من أجل التفكير بالمضامين التاريخية الموضوعية، وبالثقل الجيوبوليتيكي، وبالمثل العليا، وبالآفاق المستقبلية، خصوصا فيما يتعلق بعلاقتنا مع الحضارات الأخرى، ولا بد من التركيز على جدية الطرح وعلميته، وليس الاكتفاء بتلك الخطابات الأيديولوجية التي تهيمن حتى على بعض المفكرين، ولهذا السبب لا بد أن نعيد التفكير في هذه الخطابات؛ لكي نحِلّ الواقعية محلّ الصورة الأيديولوجية، وينبغي أن ننظر إلى الأمور من خلال منظورات لم تُعرف من قبل، وذلك لكي نقدّم صورة أخرى عن الإنسان أينما كان سواء كان في المشرق ام المغرب وبغض النظر عن معتقده.
الإنسان الكوني
-بصورة إجمالية، ما هي رؤيتك الفلسفية للحوار المنتج في هذه المرحلة الراهنة؟
-رؤيتي الشخصية تتبلور من خلال طرح مُقترب علمي وثقافي واجتماعي جديد يتناول الأنساق المؤسِّسة لمناهج المعارف الإنسانية كافة، فيتخللها جميعها ويتخطاها في آن معاً، وذلك من خلال افتراض مُسبق لذهنية منفتحة فتتحاور وتتصالح مع كلّ ما يحيط بها، وترتكز على صوْن كرامة الإنسان، بغض النظر عن أي انتماء له، سواء كان انتماء فكريا عقائديا أم جغرافيا سياسيا، لأن الإنسان - بنظري - ذو بُعد كوكبي كوني، وهو مظهر من مظاهر التجلي الوجودي، وظهوره على الأرض وانتمائه الى حضاره واعتناقه لأية عقيدة ليس إلا مرحلة من مراحل تاريخ الكون، ولكلّ إنسان الحقّ في انتمائه إلى ثقافة متجسدة من خلال طرح عبر ثقافي قائم على التأسيس لاحترام التنوعات الفردية والجماعية التي تجمع فيما بينها الحياة المشتركة على الأرض.
وهذه صيغة جديدة للعلاقة بين الثقافات والحضارات الإنسانية تمرّ عبر تصحيح علاقة الانسان بالطبيعة بالواقع بالآخر، وقبل كل شيئ بنفسه وذاته التي تنطلق من مفهوم أنه لا وجود لـ ''أنا'' و''هو''، وفكرة الذات مقابل ''الذات'' لتتعارض معها غير موجودة، والآخر هو أنا، والذات قابلة للتغيير والتبديل، وبناء عليه فإن الحضارة الأخرى والمفاهيم والأيديولوجيات كلها وكلّ ما يحمل هذا الآخر من مخزون حضاري ممكن أن يدخل ويمتزج مع الذات فيغيّرها ويطوّرها أو لا يطوّرها.