فهرس الكتاب

الصفحة 22142 من 27364

د. عبدالحكيم الفيتوري 1/11/1424

من المعروف أن التخلف العام ظاهرة معقدة ومتشابكة الأطراف، ولا يسهل تلمس ملامحها وفرز خيوطها، وهي تنشأ عن أسباب وعوامل متعددة وعميقة الجذور.

وفي حالات معينة تنجح بعض الجماعات في تجاوز التخلف واجتثاث أصوله، بينما تخفق جماعات أخرى في معركتها ضده، فيكتسب صفة الدوام ويبقى قائماً ومُكشراً عن أنيابه إلى أمد غير محدود، كما هو الحال مع معظم الجماعات والأحزاب المعاصرة.

وقد تناولت في المقال السابق تحت عنوان"نقد في النفسية الحزبية"ضمن ملف المراجعات الحركية عاهات النفسية الحزبية، وفي هذا المقال نعرض لمسألة التخلف الذهني التنظيمي (الإعاقة الذهنية في العقلية الحزبية) في إدارة العمل الجماعي والحزبي، فالنجاح في هذا المجال يعني توفير مخصصات أكبر لمشروعات التنمية العقلية، والنفسية، والبشرية السوية التي تحمل مرآة سوية غير مقعرة ولا محدبة ! وذلك يقود إلى فهم صحيح في مختلف شؤون الحياة الدينية والدنيوية، وإلى تطوير مختلف قطاعات المجتمع والتنظيمات والدولة.

فالتعريف الطبي للعقلية المتخلفة: يشير إلى أن التخلف العقلي هو حالة توقف أو عدم اكتمال نمو الدماغ نتيجة لمرض أو إصابة قبل سن المراهقة أو بسبب عوامل جينية. أما التعريف القانوني؛ فإنه يشير إلى أن الشخص المعاق ذهنياً هو غير القادر على الاستقلالية في تدبير شؤونه بسبب حالة الإعاقة الدائمة أو توقف النمو العقلي في سن مبكرة. أما التعريف الاجتماعي؛ عرف التخلف العقلي بأنه حالة عدم اكتمال النمو العقلي بدرجة تجعل الفرد عاجزًا عن التكيف مع الآخرين مما يجعله دائماً بحاجة إلى رعاية وإشراف ودعم الآخرين.

نخلص من هذه التعريفات بـ: أن التخلف العقلي يشير إلى مستوى الأداء الوظيفي العقلي، ويصاحبه عجز في السلوك، وتخبط في الرؤى والتخطيط.

ولا ريب أن الفشل في عدم معرفة الأمراض النفسية والعقلية ومن ثم السلوكية في محيط الجماعات والأحزاب، ووضع استراتيجيات علاجية مناسبة وناجحة لمختلف هذه العاهات، هو أحد أسباب تكريس الإعاقة الذهنية والتخلف وعدم القدرة على كسر قيوده وفك أغلاله، ومن ثم القفز من فوق أسواره العالية باتجاه الحضارة والرقي إلى مبادئ الإسلام القيمة ( ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) !.

ونعرض في هذا المقال لأهم مظاهر أزمة تخلف العقلية الحزبية في جانب العمل التنظيمي، حيث إنه يعتبر النظر في هذا الجانب من أهم مؤشرات تجليات الأزمة العقلية في واقع العمل الحزبي المعاصر، وهي على النحو التالي:

1-إسقاط حقيقة الشورى وآلياتها الشرعية داخل صف العمل الجماعي تحت شعارات شتى منها الحفاظ على وحدة الحزب وممتلكاته! على الرغم من إيمانها بقوله تعالى: ( وأمرهم شورى بينهم ) إلا أن هذه الممارسة من العقلية المتخلفة في واقع الأمر تقوم بعملية اغتيال كامل لعقل العضو ومصادرة قدراته، ومحاصرة كفاءاته؛ فينقلب الحزب تدريجيًا إلى متحف للعقول البشرية المحنطة! .

2-تغيب عملية النقد الحر على الرغم من أن سائر دساتير الجماعات والأحزاب ولوائحها الداخلية تنص على حرية الرأي وأهمية النقد الحر !! إلا أن هذه القيمة حفظت في السطور، أو أعطيت لمن له حق الفيتو داخل الحزب، أو أفرغت من مضامينها الأساسية واستبدلت بمعان شكلية وممارسات سطحية حتى صارت ممارسة النقد وسيلة للتسلية والأمسيات التنظيمية ليس إلا!.

3 -تحول عملية النقد داخل الأحزاب من عملية بنائية وتطويرية إلى عملية تبريرية أو تدميرية؛ تبريرية لكل الأخطاء وإن كانت فادحة فـ ( ليس في الإمكان أبدع مما كان) ! ؛ وتدميرية لتصفية حسابات شخصية من باب ( عليّ وعلى أعدائي) !

4-تهميش مقصود - مع سابق الترصد والإصرار!- لعقل وكادر العمل التنظيمي بغية تدميره واغتياله، وذلك من خلال تحكم الأقلية التنظيمية المستبدة في الأغلبية التنظيمية الصامتة - التي عادة ما تفضل الابتعاد عن كل شيء زهدًا في القيادة أو انشغالا عنها، وربما تكون أقل وعيًا من غيرها - وعبر الشورى المزيفة ووسائل الديمقراطية الطاغوتية بـ (الانتخابات والتصويت !!) لإخفاء نزعتها السلطوية وطموحها إلى المناصب وحماية الامتيازات التنظيمية الخاصة !!

5-الشعور بالعلو الزائف على سائر خلق الله سبحانه وتعالى (إن أكرمكم عند الله اتقاكم) ، والإيمان المفرط بالصوابية في كل شيء، وفي أي شيء (لو كان خيرًا ما سبقونا إليه وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم) !، وفي المقابل الإيمان المفرط بخطئية جميع الجماعات والأحزاب"رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب)!"

فهل من سبيل إلى مراجعة الذات والعقل والآليات التنظيمية وفق ثوابت الوحيين قبل فوات الأوان،

حيث لا تنفع المراجعة ولات حين مناص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت