* خالد عبد اللطيف
ربما كان المنشغلون في العالم بالتنظير الفلسفي للمستقبل بعيدين بعض الشيء عن حقائق الواقع اليومي وتحديدا على جبهة خارطتنا العربية التي اصابها ما اصابها من تشكيك ثقافي وتشويه حضاري يعود بدرجة اساسية للإرث التاريخي القديم الذي قد يذكر العالم المتقدم اليوم بحقيقة تخلفه الحضاري في (الأمس) مقارنة بما شهدته الامة العربية من تقدم مبكر في السابق على مختلف مناحي النشاط الانساني والفكري.
فلاسفة اليوم وخاصة الغربيين منهم يثرثرون كثيرا عن (حوار الحضارات) بينما الواقع يقول: ان لغة الحوار لا يفهمها العالم الاول المتحضر في كل الاحوال .. ولا يعترف بمفرداتها ومعانيها الا حينما يريد ذلك فقط والدليل على هذا ان كل شيء يتكرس الان على جبهة العالم يأتي مقرونا بإملاءات ومقررات لا تتمخض عبر (الحوار) وانما تتأسس في كنف جبروت القوة وامتلاك ادوات (الصراع) فكانت مثلا سيادة (العولمة) (قسرا) وهي نظرية لم تضع حسابا للطرف الاخر او تقترب من حضارته وانما جاءت استجابة لرغبة احادية في اعادة ترتيب اوضاع العالم واجندته وخططه ومساراته وبما يكفل اولا الحلم القديم في الذوبان الكلي للخلفيات التاريخية والمرجعيات الحضارية وهو توجه قد يشبع شهوة من لا تاريخ لهم ومن لا حضارة لهم الذين تأسسوا في كنف قرن او اثنين او حتى ثلاثة من الزمان لكنه لا يستجيب بأية حال لمن يراهنون على ما فيهم بمقدار ما يراهنون على حاضرهم ومستقبلهم ولمن يعتزون بهويتهم الثقافية وخصوصيتهم الحضارية ومن هنا لا بد من الاصطدام والتقاطع مع الاخر بدلا من السير معه في خط متواز وهذا ما لم يحسب حسابه المنظرون للعولمة او المروجون للأطروحات الفلسفية العالمية الجديدة التي تطرح شيئا يكون مثاليا احيانا في شكله البراق لكنه يخفي خلفه الوجه القبيح للتخلف الفكري والتعصب الداخلي ولعل مفردة (الحوار) هذه هي احد افرازات هذا التخبط بين ما هو نظري وما هو تطبيقي وبين ما هو انساني وما هو تجاري ومصلحي في الاساس.
لقد ظل العرب في موروثهم يعترفون بالحوار وهكذا دلت عليهم حضارتهم ولم يضمروا يوما عداءات خفية للآخر بل ظلوا يتواصلون معه ورغم رداءة المناخ السياسي العالمي الان وما تتعرض له الامة العربية من ضغوط وحصار وعدم اعتراف بقضاياها المشروعة والعادلة لكنها قبلت نظريات العالم الجديد ودخلت بخطى حذرة الى مظلته العولمية حاملة هواجسها وهمومها في ان يستمع اليها الاخر ويتحاور معها بالفعل ولكن وفي كل مرة كانت النتائج لا تشبه المقدمات وكانت الوقائع تختلف عن الشعارات ويكفي مثالا لذلك التعامل (القسري) في ازاحة حضارة الشعب الفلسطيني وتاريخه من قبل اسرائيل التي لا تعترف بلغة الحوار ولا تقر بأي حضارة اخرى وفي ظل وجود مثل هذا النموذج الرديء يصبح الحديث عن هذا الحوار الهادئ احد المفارقات الكونية وتصبح الحضارات ليس كما اريد لها مقياسا لتقدم الامم وتلاقي الشعوب بقدر ما هي سبب خفي لاشعال الفتن وممارسة العدوان واحداث القطيعة.
ان الافق الانساني ورغم معاكسة المناخات لاحلامه الخيرة وتطلعاته العادلة يظل مستشرفا للحوار الحضاري كمدخل استراتيجي لمستقبل العالم المتقدم والمزدهر والقائم على مبادئ متكافئة تتناغم فيها الحضارات دون ازاحة او اقصاء حتى تتفتح كل الورود وتفوح بعطرها الانساني ولا يصبح التاريخ حكرا لاحد او تسقط من ذاكرته اسهامات البشرية باختلاف الامكنة والازمنة وهذا يستلزم في الواقع جاهزية حضارية لكل الامم وفي ذات الوقت تقبل تام للاعتراف بالاخر والتحاور معه وتلطيف لمفردة الصراع كي تصبح حوارا في الدال والمدلول معا وهذه المعاني الفريدة وما يحوم حولها من تساؤلات فلسفية انطرحت بالامس في نادي الصحافة من خلال المحاضرة القيمة التي ألقاها الدكتور سعد الله آغا القلعة وزير السياحة بالجمهورية العربية السورية الشقيقة والتي اكدت ان مسألة (حوار الحضارات) تحتاج لمزيد من تسليط الضوء ولمزيد من المقاربات النقدية والتحليلية التي تعمل على توضيح هذا المفهوم الفلسفي والفكري المتشعب الى حد التعقيد في ظل الاختلافات الجوهرية حول المصطلح نفسه والكيفية التي يمكن ان يتمحور خلالها وبخاصة على الصعيد القومي العربي.