السفير د.عبد الله الأشعل
أعلنت الإدارة الأمريكية من خلال الصحف والتصريحات الرسمية يوم 9 فبراير 2004 أنها عازمة على نشر الديمقراطية في"الشرق الأوسط الكبير"، على غرار معاهدات هلسنكي لعام 1975 التي ضغطت من أجل نشر الحريات في الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية. كما أعلنت الإدارة الأمريكية أنها ستكشف عن تفاصيل هذه المبادرة في يونيو 2004، خلال قمة الدول الثماني بولاية جورجيا الأمريكية، وغيرها من القمم الأخرى؛ وأن المحادثات الرسمية قد بدأت فعلا مع بعض الحلفاء الأوربيين الرئيسيين في هذا الشأن. وأعلن الرئيس بوش عن فشل السياسة السابقة في دعم الزعماء العرب المستبدين، وأن الشرق الأوسط سيظل مكانا تموت فيه الحريات، ما دام يصدر الركود والاستياء والعنف.
والحق أن الإعلان عن هذه المبادرة لا يعدو أن يكون تكرارًا لنفس المبادرة التي أعلنها كولن باول وزير الخارجية في ديسمبر 2002، ووجدت أصداء سلبية في العالم العربي، ولم تفلح في تخدير العالم العربي قبل أن تقدم واشنطن على غزو العراق بعدها بأسابيع قليلة. كما أن نفس المبادرة التي قدمت مقتطفات عنها بزعم أنها مبادرة جديدة تماما، وأنها تمثل قفزة في التفكير الأمريكي تجاه العالم العربي، هي نفسها التي قدمها الرئيس بوش بالتفصيل في خطابه الشهير يوم 6 نوفمبر 2003 خلال الاحتفال بمضي 20 عاما على إنشاء الهيئة الأمريكية لدعم الديمقراطية؛ وهي الهيئة التي تولت تنفيذ التجارب الديمقراطية الفاشلة في إفريقيا، تنفيذا لمشروع الرئيس بوش الأب الذي أعلن عن قيام نظام دولي جديد قوامه نشر الديمقراطية في العالم؛ وذلك في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 5 سبتمبر 1991. فكأن المبادرة الحالية هي -في الواقع- الطبعة الثالثة المنقحة للمبادرات السابقة لعام 2004، مع عدد من الفوارق البسيطة التي يحسن بنا أن نشير إليها، ونحن بصدد تسجيل الفكر السياسي الرسمي الأمريكي؛ وهي ملاحظات تتصل بمضمون المبادرة، والمدلولات السياسة لها، وتوقيت إعلانها.
ما هي هذه الملاحظات؟
الملاحظة الأولى: الإشارة إلى أن المبادرة الجديدة تشمل العالم العربي وجنوب آسيا؛ وهي المناطق الباقية في المساحات الخالية من العالم، والتي لا تزال تغط في سبات سياسي وركود اجتماعي في نظر واشنطن؛ ومن ثم تكمل واشنطن نشر الديمقراطية في العالم، بعد أن بدأته في الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية من خلال معاهدات هلسنكي لعام 1975؛ وهذا ليس إلا محاولة من جانب الرئيس بوش لتذكير الأمريكيين بأن الحركة الدولية لحقوق الإنسان -التي استخدمت في إنهاء الشيوعية- سوف تواصل مهمتها؛ ولكن هذه المرة لقمع الإرهاب الذي يولده غياب الديمقراطية. وهذا التحليل صحيح، ولكن يعيبه عدم جدية الإدارة الأمريكية وعدم مصداقيتها.
الملاحظة الثانية: أن الخلط بين العالم العربي والشرق الأوسط ودمجهما فيما أسماه بوش"الشرق الأوسط الكبير"دون تحديد حدوده يشي بأن الخطة معدة للعالم العربي، في موجة جديدة، للانقضاض عليه لصالح المشروع الصهيوني. فلا شك أن الشرق أوسطية، والشرق الأوسط الجديد، ثم الشرق الأوسط الكبير، كلها مشروعات ترتكز على إسرائيل كقاعدة، ثم تنطلق لتطويع المنطقة العربية، كما حدث عندما بدأت مخططها في العراق.
الملاحظة الثالثة: هي أن مشروعات نشر الديمقراطية الأمريكية والغربية في أفريقيا بعد انتهاء الحرب الباردة قد فشلت تماما؛ ولكنها نجحت خلال الحرب الباردة في تفكيك النظم الشيوعية، ثم إلقاء دولها في أتون الفوضى والتدهور السياسي والاقتصادي، رغم أن الإدارة تنشر دائما الدراسات التي توهم بدور أمريكي في إعادة بناء الأمم. وإذا كانت مشروعات نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان قد ارتبطت بعدد من الحوافز، فقد ارتبط المشروع الجديد بفكرة العصا والجزرة، كما ارتبط المشروع بمزاج أمريكي، يقدم القوة العسكرية والإرهاب السياسي على كل الحوافز التي لوح بها.
الملاحظة الرابعة: المبادرة الجديدة تختلف تكتيكيا عن المبادرات السابقة في الشكل من حيث الحديث عن شرق أوسط كبير، وليس عن عالم عربي ديمقراطي. كما أن هذه المبادرة في طبعتها الجديدة تتحدث عن العمل الأمريكي مع الزعماء العرب، وليس رغما عن الزعماء العرب. وهي استجابة ذكية، ولكنها مكشوفة للمخاوف التي عبرت عنها بعض الدول الصديقة والحليفة للولايات المتحدة؛ بعد أن أدركت الإدارة الأمريكية ضعف البنية الأساسية للمعارضة وللشارع العربي عموما، وأن قوة الشرطة أقوى من حماس الجماهير، وأشد تأثيرا في حماية الفساد ومنع الإصلاح. وهو على أي حال موقف أمريكي تقليدي إذا استدعينا من الذاكرة ذلك االفصل الأسود في السياسية الأمريكية الذي كتب عنه الكثيرون في مساندة الديكتاتورية، والانقلابات العسكرية، وتطويع النظم للمصالح الأمريكية بقطع النظر عن وحشية هذه النظم ضد شعوبها.