فهرس الكتاب

الصفحة 5279 من 27364

د. عدنان علي رضا النحوي 22/5/1426

لقد سبق أن كتبت أكثر من مقال نُشر حول المرأة وميادين نشاطها، وكتبت كذلك كتاب:"المرأة بين نهجين: الإسلام أو العلمانية". ولكن على كثرة ما أُثير حول هذا الموضوع في الآونة الأخيرة، وما طُرح من مغالطات، وجدت من واجبي أن أعود وأكتب هذا الردَّ والتعقيب على بعض ما قرأت.

يطلق بعضهم اليوم نصاً عاماً مطلقاً دون أي قيود يقول: إنَّ الإسلام قرَّر مساواة المرأة بالرجل مساواة كاملة سواء بسواء، أو يحصرها بحقِّ المرأة في النشاط السياسي كالرجل سواء بسواء. ولقد ذكرتُ في مقالة سابقة أنَّ هذا النصّ العام لا يصحّ إلا أن يستند على نصٍّ من الكتاب والسنَّة أو على ممارسة حقيقيّة ممتدّة زمن النبوّة الخاتمة والخلفاء الراشدين.

وردّ بعضهم عليّ في قولي المذكور أعلاه: إذا لم يوجد النصّ العام في الكتاب والسنّة ولا الممارسة الممتدّة، فهل يوجد نصّ بالتحريم، وهل الأصل في الأشياء الحلّ ما لم يقم نصّ على التحريم أو على العكس؟!

أقول هذا أسلوب جدليّ فيه مغالطة كبيرة، وخلط بين أمرين مختلفين. في مجال الحرام والحلال الأصل في الأشياء التحليل ما لم يرد نصّ على التحريم. أما في أمور التشريع المتعلق بالحقوق والواجبات، والعلاقات بين الرجل والمرأة، وبين الناس عامة، وميادين الممارسة في الحياة فلا بدَّ من نصّ يبيّن الحقوق والواجبات، ويؤيد ما يضعه الناس من نصوص عامة خالية من الضوابط والقيود أو يرفضها. ولذلك جاءت في الكتاب والسنّة نصوص ثابتة تحدّد حقوق الرجل والمرأة في الميراث حيث تختلف الحقوق، وجاءت نصوص ثابتة في أنَّ المسؤولية الأولى للمرأة رعاية بيت زوجها، وطاعته ورعاية ولده:"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيّته والمرأة راعية على بيت بعلها وولده وهي مسؤولة عنهم ..."[أخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي[.

والإسلام فرض الجهاد في سبيل الله على الرجل المسلم، ولم يفرضه على المرأة المسلمة، وإن اشتركت المرأة المسلمة فما كان ذلك إلا في بعض جوانب المعركة كمداواة الجرحى، وتوفير بعض المساعدات، أو في ظرف خاص مثل معركة أحد، لحديث رسول ا صلى الله عليه وسلم لما سألته عائشة رضي الله عنها فقال:

"نعم! عليهنَّ جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة" [أخرجه البخاري] . وأحاديت صحيحة أخرى. وصلاة الجمعة فرض على الرجل المسلم وليست فرضاً على المرأة المسلمة، وصلاة المرأة المسلمة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وكذلك قوله سبحانه وتعالى:

(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً) . [ النساء: 34] .

والرجل هو المكلف بالإنفاق على البيت، والمرأة ليست مكلفة بذلك إلا إن أحبَّت أن تعين زوجها. فالرجل قوَّام على بيته وعلى زوجه، وقوَّام صيغة مبالغة تفيد المسؤولية الكبيرة.

وقِوامة الرجل في البيت على زوجه مفصّلة في الكتاب والسنَّة تفصيلاً واسعاً لا يترك لأحد فرصة لفساد تأويل، وكلها تجعل الرجل أمير البيت بالمعروف، وعلى الزوجة طاعته بالمعروف، ليسود السكن والمودة، حين يعرف الرجل دينه والمرأة دينها، ويتّقي كلّ منهما ربَّه، فيعرف كلّ منهما مسؤولياته وحدوده عن إيمان صادق وعلم صاف بالكتاب والسنّة.

ولكن من الناس اليوم من يريد أن يؤوّل معنى القِوامة حتى يحصرها في أمور ضيّقة تجعل من الزوجة مساوية للرجل في نظام الأسرة، تاركاً الأحاديث والآيات الكثيرة الواردة في ذلك.

ولا يحل لامرأة أن تصوم"نافلة"وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة ثلاثة أيام إلا ومعها محرم، ولا يحل لها أن تسافر مسيرة يوم إلا ومعها محرم ، وأحاديث صحيحة أخرى كثيرة حول ذلك يصعب عرضها. وفي أحوال الطلاق تكون القاعدة: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ.

وبالفطرة ندرك الفروق بين المرأة والرجل بصفة عامة، وجاء العلم اليوم ليكشف الفروق الرئيسة بين الرجل والمرأة في النواحي الجسمية والنفسية. ولكن الله أعلم بكل الفروق، فأنزل تشريعه رحمة بعباده ولصالحهم في الدنيا والآخرة.

إذا كانت هذه بعض الفروق بين الرجل والمرأة، فإنها كلها لا تنقص من قدر المرأة في الإسلام ولا من كرامتها، فكرامة المرأة وقدرها تنبع من طاعتها لله في شرعه، وكرامة الرجل وقدره تنبع من طاعته لله في شرعه، ليعرف كلٌّ منهما حدوده التي حدّها الله دون التمرّد عليها بتأويل فاسد أو تجاهل لنصوص ثابتة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت