وإذا كانت هذه بعض الفروق، فإن الإسلام ساوى بين المرأة والرجل في أمور أخرى واضحة. فالشعائر فرض على المسلم والمسلمة، وطلب العلم فرض على المسلم والمسلمة، وتبليغ رسالة الله ودينه فرض على المسلم والمسلمة كلٌّ في ميدانه وفي نطاق مسؤوليته، كلٌّ قدر وسعه الصادق. وللمرأة ميادين للعمل ليست للرجل، وللرجل ميادين للعمل ليست للمرأة، ويمارس الرجل مسؤولياته وحقوقه في النهج الذي رسمه الله له وبيّنه وفصَّله، وتمارس المرأة مسؤولياتها وحقوقها في النهج الذي رسمه الله لها وبيّنه وفصَّله. والأسرة هي الميدان الذي تشترك فيه المرأة والرجل في العمل في سكن ومودَّة وتعاون، ولكل دوره ومنزلته كما أشرنا سابقاً.
فيمكن للمرأة أن تمارس نشاطها العلمي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي وهي في ميدانها الذي رسمه لها الإسلام، دون اختلاط بالرجال، ودون تبرّج وكشف للزينة، ومع كامل الالتزام بآداب الإسلام. وهذا كله بعد أن تُوفي المرأة بمسؤوليَّتها الأولى التي حدَّدها الله لها في رعاية زوجها وبيته وولده. وأساس ذلك أن يكون المجتمع مجتمعاً ملتزماً بشرع الله خاضعاً له، حتى يتسنَّى وضع النظام والقانون الذي يفسح المجال للمرأة أن توفي بمسؤولياتها، من حيث تنسيق الوقت لكل نشاط دون تعارض وإخلال.
ولفهم فقه هذه القضية لا يكفي أن نأخذ حادثة واحدة نتلقّفها من هنا وهناك، ننتزعها من ظروفها وملابساتها لنبتدع نصّاً بشريَّاً عاماً ننزله منزلة نصوص الكتاب والسنَّة ليُطبّق في كلِّ زمان ومكان! القضيّة قضية نهج ربّاني متماسك متكامل أنزله الله على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - فلا بدّ من دراسته كلّه على ترابطه، وتطبيقه كله والتزامه كله على ترابطه وتماسكه، ولا يجوز التزام جزء وترك أجزاء.
والأمثلة التي يستدل بها مروّجو مساواة المرأة بالرجل كلها حالات فرديّة. لا تحمل صفة الامتداد والاستمرار، ولا تخضع لنصٍّ عام من كتاب أو سنَّة. وتظل مرتبطة بظروفها الخاصة. وكلُّ المروّجين لمبدأ مساواة المرأة بالرجل يأخذون قصة أم سلمة في الحديبية، حين شكا إليها زوجها رسول ا صلى الله عليه وسلم همّه من أنّ الصحابة لم ينصاعوا لأمره بالتحلّلِ وفكّ الإحرام. فأشارت عليه: اخرج أنت وفك الإحرام، فيقتدوا بك! واستحسن الرسو صلى الله عليه وسلم رأيها. وهكذا كان ! فالرجل يفرغ همه لزوجه، سواء أكان هماً سياسياً أو غير ذلك، ولا يُعقل أن ينحصر حديث الرجل مع زوجه في أمور المنزل، فالحياة كلها مفتوحة أمامهما يخوضان فيها على طاعة الله من خلال السكن والمودة، فهي ليست دليلاً على مشاركة المرأة للرجل سواء بسواء في النشاط السياسي. ولا أدلّ على ذلك من أنَّ أمّ سلمة نفسها لم نعد نراها هي أو غيرها مشاركة للرجال سواء بسواء في مجالس الشورى والسياسة وغيرها. أم سلمة -رضي الله عنها- كانت زوجة أعانت زوجها برأيها، ولم تكن سياسية مارست السياسة في المجتمع. ولا نجد في كتب السيرة والتاريخ لها دور المرأة التي خاضت ميادين السياسة كما يدعو بعضهم النساء إليه اليوم!
ومن النساء اليوم، ومن الدعاة من يستدل على حق المرأة ومساواتها للرجل في النشاط السياسي، (وهذا يتبعه المساواة في غير السياسة) ، مِنْ أنَّ مِنَ النساء من هنَّ موهوبات مبدعات مثل الرجل أو أكثر. لا خلاف حول ذلك، فالله يضع المواهب في الرجال والنساء على حكمة له. لا ننكر أنّ من النساء من هنّ موهوبات في هذا الباب أو ذاك، وأنه من حقّهنّ ممارسة هذه الموهبة في الطبّ والتدريس والأدب والعلوم وغير ذلك. ولكن الاختلاف هو في أسلوب الممارسة، فهناك فرق بين النساء اللواتي يتولّين التدريس للذكور أو للإناث فقط، أو يمارسن التدريس مع الرجل في نفس المدرسة سواء بسواء كالرجل، أو أن يمارسن التدريس في أجواء النساء فقط! وأسلوب الإسلام واضح جلي! وكذلك في الطب وفي مختلف العلوم والميادين. فالمرأة تمارس مواهبها من خلال ضوابط شرعيّة، ومن خلال التزام منهج ربّاني متكامل وليس من خلال قواعد متفلّتة!
وخديجة -رضي الله عنها- كانت أول امرأة آمنت، وأعانت الرسو صلى الله عليه وسلم بمالها وعقلها وجهدها، وبالتزامها لدين الله في حدود ما كان ينزل حينذاك. وذهابُها مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ورقة بن نوفل أمر طبيعي من زوجة تقف مع زوجها وتعينه، خاضعة لشرع الله، على قدر ما كان يتنزّل آنذاك. ولكن أين المشاركة السياسية كالرجل سواء بسواء. كان الرسو صلى الله عليه وسلم يلتقي بأصحابه في دار الأرقم، فهل كان النساء يختلطن مع الرجال في دار الأرقم كالرجال سواء بسواء، حيث كانت تدور شؤون الدعوة كلها؟