وانتداب أسماء -رضي الله عنها- عند الهجرة، وكانت هذه المهمّة هي نقل الطعام والأخبار إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولكن الحماسة أخذت ببعضهن حتى جعلت من هذا العمل دليلاً على مشاركة المرأة في النشاط السياسي كالرجل سواء بسواء، أو"جعلت من هذا العمل لا يقف عند النشاط السياسي والمشاركة فيه، ولكنه صناعة للحياة كلها"! وما زالت المرأة تقوم بمثل هذا الجهد في مجتمعات كثيرة خاضعة لأعراف المجتمع مع كل حالة.
كل هذه الأمثلة لم تقع إلا في مرحلة لم يكتمل فيها التشريع المنزّل من عند الله. فلم يكن الحجاب آنذاك قد فرض، وكثير من حدود المرأة والرجل لم يكن تنزّل بها تشريع أو اكتمل.
وأمَّا أنَّ الفاروق -رضي الله عنه- عهد إلى الشفاء بنت عبد الله محتسبة على السوق، فخبر يحتاج إلى تدقيق. فما ورد في"الإصابة في تمييز الصحابة"قوله:"وربما عهد إليها بشيء من عمل السوق". و"ربما"تجعل الخبر غير موثوق، ولم ينقله عنه كثير ممن كتب عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أو عن الشفاء رضي الله عنها. وكان أحرى بنا أن نبرز الشفاء -رضي الله عنها- معلِّمة للنساء من الصحابة الكتابة والقراءة والرقية. فقد كانت من فضليات الصحابيات تعرف حدودها. وربما كان ما كُلِّفت به من أمر السوق، لو ثبت الخبر أمراً ليس فيه اختلاط بالرجال. فالخبر غير دقيق ولا العمل معروف وفيه"ربما"! وفيه:"بشيءٍ من عمل السوق". وبعضنا يقرر من عند نفسه العمل عن غير علم ولا تبيُّنٍ.
أما القول بأنَّ سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز ـ رحمه الله ـ أفتى بدخول المرأة هذه المجالس النيابية، والمشاركة فيها فقول غير سليم. وسماحته لم يُفْتِ بذلك، وإنَّما أفتى بعكس ذلك. ففي كتابه:"الفتاوى النسائية"يقول:"فإن الدعوة إلى نزول المرأة للعمل في ميدان الرجل المؤدي إلى الاختلاط سواء كان على جهة التصريح أو التلويح بحجة أنَّ ذلك من مقتضيات العصر ومتطلبات الحضارة أمر خطير جداً له تبعاته الخطيرة وثمراته المرّة وعواقبه الوخيمة، رغم مصادمته للنصوص الشرعيّة. ومن أراد أن يعرف ما جناه الاختلاط من المفاسد التي لا تُحصى فلينظر إلى تلك المجتمعات التي وقعت في هذا البلاء العظيم ...."ويقول سماحته:"فالدعوة إلى نزول المرأة في الميادين التي تخصّ الرجال أمر خطير على المجتمع الإسلامي ..." [ ص: 15-17]
ويقول فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ـ رحمه الله ـ في كتابه:"من الأحكام الفقهية في الفتاوى النسائية"ص 62:"... المجال العمليّ للمرأة أن تعمل بما يختص به النساء مثل: أن تعمل في تعليم البنات سواء أكان ذلك عملاً إدارياً أو فنياً، وفي بيتها أعمال كثيرة ....، وأما العمل في مجالات تختص بالرجال فإنه لا يجوز لها أن تعمل حيث إنه يستلزم الاختلاط بالرجال وهي فتنة عظيمة يجب الحذر منها".
والاستشهاد بالآية الكريمة: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [الجمعة:11]
ليس حجة على شيء إلا أن في الرجال ضعفاء ومنافقين، وكذلك في النساء يوجد ضعيفات ومنافقات. فهذا أمر خارج عن موضوع البحث كله.
وربما تجد امرأة أو فتاة تردُّ على ما طرحته حول هذا الموضوع، ثم تخفي اسمها، و كان أولى أن تُفصح عن اسمها لتمارس حقَّها في ذلك. فبإخفاء اسمها ناقضت نفسها في دعواها من حق المرأة في المشاركة في العمل السياسي كالرجل سواء بسواء. فإذا أخفت اسمها فكيف ستنزل ميادين الرجال باسمها وجسمها؟!
وكان خيراً لكل من يتعرَّض لمثل هذه الموضوعات أن يتثبَّت من كل خبر قبل أن ينقله على غير وجهه الصحيح، كما في موضوع الصحابية شفاء بنت عبد الله العدوية رضي الله عنها، وكما فيما نُقل عن سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله.
وأنصح كذلك أن يتجنب المسلم المغالطة والتأويل الفاسدين واللعب بالألفاظ، كما نرى عند بعض من يدعو إلى مساواة المرأة بالرجل مساواة مطلقة، أو بالعمل السياسي، وأنصح بعدم تلقُّط الحوادث المرتبطة بظروفها غير ممتدَّةٍ مع الزمن، وغير ممثِّلة لقاعدة شرعيَّة.
وكذلك فمما قرأته من جميع الداعين إلى مساواة المرأة بالرجل إما مساواة مطلقة، أو مساواة في العمل السياسي، لم أجد أحداً أتى بدليل شرعي واحد يحسم القضية لصالح رأيه. وكما قلت فإنَّ الأمثلة التي يسوقونها إما حوادث لم تحمل صفة الاستمرار في المجتمع الإسلامي زمن النبوّة الخاتمة والخلفاء الراشدين، وإما تأويل غير سليم لآية أو حديث، تأويل لم يُعرف خلال خمسة عشر قرناً الماضية، ولا يتفق وأُصول اللغة العربية أو قواعد الاجتهاد، أو تحميل الألفاظ ما لا تحتمل، أو أن تكون الرواية غير صحيحة أو غير دقيقة، ويكون الاستنتاج تبعاً لذلك غير سليم.