عبد الحق بوقلقول / الجزائر 13/1/1427
يظهر أن الحكومة الأمريكية - التي لا تريد أن تقر بإخفاقها المخجل في العراق- تحاول أن تنقص من حدة مأساتها"السياسية"في المشرق العربي من خلال سعيها إلى إجراء جراحة تجميل لما أصاب دبلوماسيتها هناك في الجانب الآخر من العالم العربي . فإلى أي حد يمكن لهذه الترقيعات التي أشار بها سفير واشنطن السابق في دمشق: إدوارد ديردجيان خبير شؤون المنطقة العربية، أن تكون صائبة؟ لقد كان الأمريكان يعدون دوما منطقة المغرب العربي منطقة"نفوذ"أوروبي، فهل قرروا أن يغيروا هذا الثابت في منطق تعاطيهم مع المنطقة؟
الحقيقة أن منطقة المغرب العربي على الرغم من أنها لم تكن تحظى بالأولوية المطلقة في أجندة عمل صُنّاع السياسة الأمريكية إلا أنها -و منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر- أضحت تشكل محل اهتمام متزايد بسبب توجه الإدارة الأمريكية الحالية إلى بسط نفوذها عبر كامل النقاط الحساسة من الكوكب وفق ما تعدّه إستراتيجيتها في الحرب على ما تسميه الإرهاب.
ينبغي بداية الفهم أن الاهتمام الأمريكي الحالي بمنطقة المغرب العربي ينبع أساساً من دوافع اقتصادية وأمنية سياسية.. والمبادرة التي أُطلقت في العام 1999 تحت مسمى"مبادرة إيزنشتات"هي الدليل على الأبعاد الحقيقية لهذا التوجه، بما أن هدفها المعلن هو زيادة حجم المبادلات الاقتصادية بين بلدان المغرب العربي و الولايات المتحدة ، من خلال تشجيع أكبر عدد ممكن من الشركات الأمريكية على الاستثمار في هذه البلدان، زيادة على أن الغريب في هذه المبادرة هو ما يمكننا ملاحظته من أنها دعوة صريحة من قبل واشنطن للعواصم المغاربية الخمس للعمل على إحياء اتحاد المغرب العربي ، بعد أن أُعلن عن وفاته"إكلينيكيا"كما يظهر في تأجيل عقد قمة رئاسته منذ فترة طويلة، مع ملاحظة رغبة واشنطن في التعاطي المباشر مع كل من ليبيا و موريتانيا بمعزل عن باقي أقطار الاتحاد ، بعد التغيرات الأخيرة في ليبيا، و سياسة"التقارب"الكبيرة التي أبداها العقيد القذافي، ثم الانقلاب الأخير في موريتانيا، و الذي أطاح بنظام الرئيس السابق معاوية ولد سيد أحمد الطايع، وما تبع ذلك من انفراج كبير في علاقات نواكشوط بطرابلس.
هذا يعني أن الولايات المتحدة تقسم المنطقة من وجهة نظرها إلى قسمين:
-القسم الشمالي من المغرب العربي، و يشمل البلدان الثلاثة: تونس، الجزائر و المغرب، و هي المجموعة التي تتعامل معها واشنطن على أساس هيكل الاتحاد الذي ترغب في إحيائه عن طريق تشجيع التعاملات الاقتصادية مع هذه البلدان، و ترسيم علاقات تعاون أمني و استخباراتي ، مثلما هو واضح من خلال الزيارة الأخيرة التي قادت مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي إلى المنطقة قبل نحو أسبوع، علاوة على الزيارة المرتقبة لكاتب الدولة للدفاع دونالد رامسفيلد والتي ستشمل البلدان الثلاثة .
-القسم الجنوبي و الذي يشمل موريتانيا و الجماهيرية الليبية و هو الجزء الذي تتعامل معه الولايات المتحدة وفق مشروع بلدان الساحل ضمن إطار إستراتيجية الحرب على الإرهاب كما تسميها أمريكا، و التي تشمل أيضاً إلى جانب هذه البلدان كلاً من النيجر و مالي و السنغال، إلى جانب تشاد و حتى السودان، مع الإشارة إلى أن مشروع بلدان الساحل لا تعني التنسيق الأمني الاستخباراتي فحسب؛ لأن واشنطن تسعى بالمقابل أيضاً إلى تعزيز تواجدها الاقتصادي هناك، بما أنها تدرك أن ما تسميه"الإرهاب"يُستثمر في هذه المنطقة انطلاقا من الفقر الذي يميز أغلب أقطارها.
في عقد التسعينيات الأخير، كان الأمريكيون متردّدين جداً إزاء الوضع غير المستقر الذي كانت تعيشه الجزائر، فضلاً على أن محللين أمريكيين كثيرين وقتها كانوا لا يستبعدون أن يحقق المعارضون الإسلاميون لنظام الجزائر انتصاراً عسكرياً يلغي بعض التقاليد التي كانت تعرفها المنطقة من خلال حضور النفوذ الفرنسي خاصة، و هذا ملخصه أن الأمريكيين الذين لم يكونوا على أية حال، يتمنون انتصاراً حاسما للإسلاميين، يتوقون في المقابل إلى تضعضع المصالح الفرنسية هناك، بمعنى أنهم كانوا ينتظرون تغير ملامح الصراع المسلح داخل الجزائر، لأجل أن يتدخلوا منعاً لأن تتطور الأمور، و تصير في غير صالح كل الأطراف، فهم كانوا يدعمون جنرالات الجزائر علناً، و يغضون الطرف في ذات الوقت عن نشاطات معارضيهم؛ لأنهم كانوا يدركون أنه يتعين عليهم التعامل بحذر مع تلك البلاد، فلا هم يدعمون خصوم النفوذ الفرنسي صراحة، و لا هم ساندوا حلفاءها هنا بطريقة تعجل بتصفية حساباتهم مع المعارضة الإسلامية.