في الحلقة الماضية تناولنا تأثير عدم وجود مبرر صليبي لشن الحرب على العراق على الجندي في الميدان وعلى الخطة العسكرية ، كما ذكرنا أسباب تغير الاستراتيجية الهجومية والتي كان من المفترض أن تبدأ أمريكا الحرب بها .
وفي هذه الحلقة سنتناول الأسئلة التالية أولها:
س 5: ما هو التوقع القادم للحرب ؟ وهل سيستمر هذا الأسلوب أم أنه سيتغير ؟ ولماذا سيتغير ؟ .
ج 5: أولاً يجب أن نؤكد على أن الغزاة اتخذوا أسلوباً قتالياً بناء على تقييم خاطئ لموقف الشعب العراقي من الحكومة ، وموقف الجيش من الحكومة أيضاً ، وأن الشعب والجيش سيقابلون الغزاة بالورود والأنغام ، كما أنهم قيموا القوة العراقية بشكل خاطئ تماماً ، بناء على هذا تم وضع الخطة العسكرية التي خضعت لقرار سياسي أفشلها في مرحلتها الأولى ، ومما زاد في فشلها أن الجيش العراقي لم يفاجأ مطلقاً بأسلوب الحرب ، فالخطط والتحليلات العسكرية الصليبية كانت معلنة ، كما أن الجيش العراقي درس بدقة الأساليب الصليبية في تجربتها الحديثة في أفغانستان ، تدخلت طبيعة الأرض العراقية من ضمن هذه المعطيات التي حددت بشكل كبير أسلوب الأداء العسكري العراقي ، يلخص هذا التدخل نصيحة صدام لقواته ( بأنهم لن يكرروا خطأ 91 ويقاتلوا في الصحراء ، بل إنهم سيخوضون الحرب في المدن ) ، هذا القرار حدد أسلوب القتال العراقي ، وحدد سعة انتشار القوات العراقية وتشكيلاتها أيضاً ، فما يحققه الأمريكان في الصحراء لم يكن ناتجاً عن هزائم للجيش العراقي ، بل إن الجيش العراقي أخلى الصحراء ولن يخوض حرباً فيها ، في وقت لا يمتلك أدنى غطاء جوي ، وعدوه يمتلك أعلى المقومات الجوية العسكرية في العالم ، ولا نقول بأن سقوط الصحراء بأيدي الغزاة لن يفيدهم ولن يضر العراقيين كلا ، حتماً هو سيفيد الغزاة خاصة في تأمين الإسناد اليومي والذي يأتي من الكويت والسعودية وهو يمتد من الكويت حتى شمال الكوت وشمال غربي النجف وكربلاء ويقدر بأكثر من 500كلم أفقي دون عوامل الأرض ، ومهمة العراقيين الآن هي كيفية قطع هذه الإمدادات وتهديدها بالكمائن بشكل مستمر .
نقول بأن الجيش العراقي أخرج من حساباته القتال في الصحراء ، وحدد له ثلاثة أساليب قتالية داخل نطاق المدن سنعرض لها بالتفصيل في حلقات قادمة ، الغزاة لم يكن يهمهم على ماذا يسيطرون وما مدى أهمية المواقع المسيطر عليها ، فتجد أن القادة الصليبيين في تصريحاتهم يفتخرون كل يوم بحجم تقدمهم في الصحراء التي أخرجها العراقيون من حساباتهم ، وحتى الآن وهذا هو اليوم السابع عشر من الغزو الصليبي للعراق ، حتى الآن لايوجد سيطرة على مدينة عراقية رئيسة ، واليوم وصل البريطانيون إلى نصف كلم على مشارف البصرة ولن يتمكنوا من دخولها الآن ، علماً أن الهدف الصليبي للغزو ليس دخول قواتهم للمدن في أعمال قتالية أو ضربها بعشوائية ، الهدف لهم هو السيطرة على المدن بما فيها بغداد وتنصيب حكومة عميلة أو أمريكية عسكرية ، ونرى أن هذا المطلب صعب جداً فهم ينشدون السيطرة الكاملة وتنصيب حكومة ، والسيطرة الكاملة لم تحصل لليهود في فلسطين على مر أكثر من خمسين سنة ، فالصلبيون لهم أهداف تحقيقها يحتاج إلى وقت طويل وتكاليف هائلة وخسائر فادحة ربما تقودهم إلى إنهاء غزوهم جراء الخسائر ، فهم أعلنوا أهدافاً في أفغانستان وحتى الآن لم يحققوها ، هل هم يسيطرون على المدن الأفغانية ؟ بل على كابل وحدها ؟ هل حكومتهم تمثل شيئاً في أفغانستان ؟ حكومتهم لا تسيطر على كابل وحدها ، بل إن كرزاي لم يتمكن من حماية نفسه فاحتاج للصليبيين ليحموه ، وسبق أن سرقت سيارته وسط كابل ، فالسيطرة وتنصيب حكومة ممكنة شيء ، ودخول المدن للقتال بتشكيلات متحصنة و إسقاط نظام شيء آخر ، لابد فهم الهدف الصليبي المعلن لمعرفة مدى قرب الصليبيين وبعدهم من تحقيقه .
الأيام الماضية حققت فيها القوات العراقية مفاجأة مذهلة للغزاة لا سيما في معارك الجنوب الأولى ، والتي خاضتها في مناطق تعتبر أصلاً ساقطة مقدماً ، فهي مناطق تقع في منطقة الحضر الجنوبية جنوب خط 33 درجة ، والتي لم يدخلها الجيش العراقي للإعداد بشكل يناسب الهجوم المتوقع منذ عشر سنوات تقريباً ، فإذا كان هذا حجم المقاومة في مناطق لا يسيطر عليها الجيش ، فكيف ستكون المقاومة في المناطق التي يسيطر عليها الجيش وخاصة المناطق المدنية التي استعد الجيش العراقي للقتال فيها ؟ .
إذاً الأمريكان دخلوا الحرب بكم من الحسابات الخاطئة ، والأهداف المعلنة التي نرى أنها بعيدة المنال ، ومن المتوقع أن يكون العراق فلسطين أخرى ، قوات غازية تحاول بسط سيطرتها على البلاد وشعب رافض يضرب العدو بكل ما يملك ، هذا إذا ما تمكن العدو من دخول المدن ، والعراقيون دخلوا الحرب بتوقع ودراسة دقيقة لأساليب الغزاة ولا زالت حساباتهم لها أثر كبير في أدائهم الإيجابي في الميدان .