هذا التوصيف يؤكد أن الحرب لا يمكن أن تستمر بهذا الأسلوب ، خاصة وأن العراقيين يعلمون أنهم أحسنوا امتصاص الهجوم الرئيسي الأول ، وهم الآن بصدد امتصاص الهجوم الثاني على بغداد ، وفي حال تمكنهم من ذلك فهذا سيؤدي إلى تغيير أساليب الطرفين ، مما سيدفع العراقيين إلى التحول إلى الهجوم بعد تمكنهم من امتصاص الموجة الأولى ، أما الطرف الآخر فسوف نفصل في أساليبه لاحقاً .
إن أسلوب التحرك السريع للقوات الأمريكية من الجنوب إلى الوسط ، لم يكن أسلوباً يروق للبريطانيين ، فهم يرون أن التحرك لابد أن يكون بطيئاً لضمان سلامة الجنود وإحكام السيطرة على كل منطقة يتم التقدم إليها ، ولكن هذا الأسلوب لا يناسب الأمريكيين لأنه بطيء ، وهم بحاجة إلى الاستعجال للأسباب التي ذكرناها في الحلقة الماضية والتي غيروا من الاستراتيجية الهجومية لأجلها .
ولكن أسلوب التحرك السريع لا يدل على شيء في مناطق صحراوية أخلاها العراقيون مسبقاً ، وهي بدأت منذ اليوم الدخول في المناطق السكانية ولن تستطيع التحرك بشكل سريع ، بل إنها ستجبر على الأداء القتالي البطيء والطويل نظراً لطبيعة ميدان المدن والقرى والمناطق المأهولة بالسكان ، والتي يفترض أن يكون الجيش العراقي قد أعد لهذه المرحلة بشكل كبير ، ابتداءً من توزيع مضادات الطائرات التي لم تشارك بعد في المعركة فوق جميع المباني العالية في المدن والقرى لتعطيل القوة الجوية الإسنادية ، وتوزيع المضادات المتحركة في كل الأحياء ، وتوزيع المدفعية الميدانية بأشكال دفاعية متناسقة داخل المدن ، وتقسيم المجموعات القتالية بأساليب تتابعية تتمكن من استنزاف الكثافة النارية الصليبية ، وعرقلة تحرك الآليات على جميع الممرات والطرق لإجبار القوات الغازية للقتال الراجل ، هذا بعض ما يفترض أن الجيش العراقي أعد له ، وهذا سيحيل الأداء الأمريكي إلى أداء بطيء يستغرق وقتاً طويلاً لأنه لا يسمح للغزاة باحتلال مساحات أرضية كبيرة ، ويجب عليه أن يتحرك بالأمتار ويمشط المباني مبنى مبنى ، فإذا كان الهجوم على مكان واحد خارج العمران وهو مطار صدام الدولي استغرق منهم حتى الآن ثلاثة أيام تكبدوا فيه خسائر كبيرة ، كما أعلن عنها الطرف العراقي الذي نأمل أن يكون صادقاً في تطهيره للمطار وقتله للمئات منهم ، فقياساً على عملية المطار الذي يقع خارج المناطق السكانية سواء نجحت أو فشلت، فهذا يعني أن عملية دخول المباني إضافة إلى عرقلتها للتحرك السريع للقوات ، إلا أنها ستشكل عائقاً كبيراً جداً أمام الإسناد الجوي وستحد من تحركه وإسناده لقوات البر خشية استدراجه لكمائن مدمرة ، مما سيضع رجل المشاة الصليبي منفرداً وربما بدون آليات أمام الجندي العراقي .
أما الجندي العراقي فسيحصل له في هذه المرحلة - أي حرب المدن - ما كان يعد له بكل قدراته ، وسوف يدعم من موقفه في الميدان مساندة شعبه له وأنه يقاتل في أرضه وهي مناطق عرفها شارعاً شارعاً يجهلها الجندي الصليبي ، وهذا الواقع سيتيح للجندي العراقي أن يكثف من عمليات الكمائن والغارات والعمليات الاستشهادية والشراك الخداعية في كل مكان سيخليه العراقيون للصليبيين لأهداف مسبقة ، وستلعب العبوات الناسفة الضخمة ذات التفجير عن بعد دوراً مهماً في إرعاب العدو وإيقاع الخسائر في صفوفه ونسف آلياته المحصنة ، وستكون مهمة العراقيين في هذه المرحلة أن يصلوا إلى إيقاع أكبر قدر من الخسائر من قتلى وأسرى وجرحى في صفوف الغزاة ، فإن لم تظهر هذه الخسائر للإعلام فيكفي أنها ستدمر الروح المعنوية لجنود الغزاة مما سيمنعهم من التقدم ودخول المدن مرة أخرى ، ولو ظهرت هذه الخسائر للإعلام فإنها ستسبب هزيمة للغزاة على جميع الأصعدة وأهمها السياسية والاقتصادية والإعلامية ، وبعد كل هذه المجهودات الضخمة للغزاة فإن دخولهم في مثل هذه المرحلة بهذه الخسائر سيسبب لهم إرعاباً وصدمة حقيقية تفقدهم الرغبة بمواصلة القتال ، كما أن الدول المعادية لأمريكا أو المؤيدة للعراق ستفعّل هذه المرحلة من دورها وتزيد حماسها مع الموقف العراقي مما سيغير الموقف السياسي لأطراف كثيرة قريبة وبعيدة من الميدان .
ولو اصطدم الصليبيون بهذا الأسلوب بعدما اصطدموا بأسلوب المقاومة في الجنوب ، كيف يمكن أن يتعاملوا مع المعركة ؟ .
هذا هو السؤال الجوهري الذي يحاول المراقبون العسكريون أن يتوقعوه من خلال قراءة تاريخ الحرب الأمريكي ، ومتابعة التحركات الميدانية الحالية .