فهرس الكتاب

الصفحة 24404 من 27364

د. عبد اللطيف بن إبراهيم الحسين * 23/5/1425

لقد شاع استخدام كلمة (الحوار) هذه الأيام في أدبيات الفكر، والسياسة، والاقتصاد، والإعلام، والحياة الاجتماعية وغيرها.

إن فتح قنوات الحوار مع الآخرين يطول الحديث فيه، ذلك أن الكلام أو الحوار أحد أساليبِ الإقناع المؤثرة والفعالة، وما أحوجنا -جميعًا- إليه في كل حينٍ من أجل تربية أبنائنا وتوجيههم، ومناقشاتنا لغيرنا في بساطةٍ وهدوءٍ ووضوحٍ، لا سيما في أزمنتنِا المعاصرة؛ حيث كثرت الحوارات البعيدة عن المنهج الشرعي والآداب العامة.

إننا إذا أردنا أن يكون حوارنا فعالاً داخل الإطار الإسلامي بدءًا من المنزل ومرورًا بالمدرسة والمسجد والجامعة ومحيط العمل وانتهاءً بالأمة؛ فلا بد من ممارسة حوار متناغم يَشِي بوجود مراجعة دائمة وتسامحٍ عملي وتفاعلٍ إيجابي حتى يثمر نتائج محددة.

إن المتأملَ في حال بعضِ المتحاورِين في مسائِلِ العلمِ أو الدِّينِ أو القضايا العامة أو الاجتماعية وغيرها، يُخيّلُ إليه أنهم يتقاتلون لا أنهم يتحاورون ويتجادلون ويتناقشون، وأن الذي في أَيْمَانِهِم ليس قَلَمًا يَقْطُرُ مِداداً بل سيفاً يقطر دماً. وكان الأولى أن يَغلبَ الجو العلمي بهدوئِه ورزانتِهِ على الجو الانفعالي بشدته وطيشه، ولكنَّ هذا إنما يكون في الاختلاف الملتزم بأدب الحوار والموضوعية والجدالِ بالتي هي أحسن، والابتعادِ عن العناد والمكابرة، إذ الإسلامُ يدعو إلى الحوارِ والمجادلةِ بالتي هي أحسن من أجل الوصولِ إلى الحقِ.

وكذا الوقوفِ على أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وسيرته الجامعة في حواراته لا حصرَ لها، سواء بينه وبين المشركين، أو بينه وبين المنافقين، أو بينه وبين المسلمين، وسواء بينه وبين كبار الصحابة، أو بينه وبين صغارهم، أو الجهلة من البادية.

وأنوه على أن الحوار مع الآخرين، وإتاحة الفرصة لتبادل الرأي للوصول إلى قناعات معينة، أو صيغ مشتركة للتفاهم والتعاون، هو مطلب إسلامي، وإحدى وسائل الدعوة إلى الله تعالى، إذا توافرت للحوار شروطه، من إتاحة الفرص المتكافئة، وتحرير موضوع الحوار، والالتزام بآدابه وأخلاقه (1) ، انطلاقًا من قوله تعالى: )ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (2) .. قال الشيخ عبد الرحمن السعدي -رحمه الله-:"إن كان المدعو يرى أن ما هو عليه حق، أو كان داعية إلى الباطل، فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلاً ونقلاً؛ ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي يعتقدها، فإنه أقرب إلى حصول المقصود، وألا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة، تذهب بمقصودها، ولا تحصل الفائدة منها، بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها". (3) ]

وأشير إلى ما ذكره معالي الشيخ الدكتور صالح بن عبد الله بن حميد -رئيس مجلس الشورى- في حديثه عن العنف والإرهاب:"إننا نحتاج إلى فتح أبواب الحوار الصريح الشفاف يقوده علماؤنا في حوار حضاري بنَّاء.. إن العدل في الحوار يتطلب شفافية ومصارحة ومصداقية من جميع الأطراف حتى تصل الأمة جميعها بأبنائها إلى ساحة الأمن الفكري الوسط في التدين والمنهج والخطاب".

ثم تحدث عن فضيلته عن دور المفكرين والمثقفين في أداء رسالتهم الخاصة والمنيرة المتميزة تنبع من انتسابهم للدين ومبادئه. (4)

وأؤكد على"أن الحوار يكون -أحيانا- أقوى من الأسلحة العسكرية كلها، لأنه يعتمد على القناعات الداخلية الذاتية؛ بل ربما أفلح الحوار فيما لا تفلح فيه الحروب الطاحنة". (5)

وأحب أن أبين أنه ليس من الضروري أن نعتقد أن نتيجة الحوار لا بد أن تكون إقناعك الطرف الآخر بأن ما عندك حق، ومن ثم التغلب عليه، وأنَّ ما عنده باطل؛ فليس هذا بلازم.

ولربما أقنعتَهُ فهذا جميل، وإذا كنتَ ملتزمًا بكيفية التحاور، وآدابِهِ ومنهجيتِهِ، فأقل شيءٍ أن يعلمَ خصمُك أن لديك حجةً قويةً، وأنك محاورٌ جيدٌ، وأن يأخذَ عنك انطباعًا طيبًا. (6)

أسأل الله تعالى التوفيق والسداد، إنه خير موفق ومعين.* عضو هيئة التدريس في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالأحساء

(1) حتى لا تكون فتنة لعمر عبيد حسنة، ص70-71.

(2) سورة النحل.

(3) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ص404.

(5) المجلة العربية.

(6) أدب الحوار لسلمان بن فهد العودة، ص8

(7) انظر: أدب الحوار، ص18

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت