فهرس الكتاب

الصفحة 27145 من 27364

إدريس الكنبوري … … … … …20/10/1423

اتخذت الحرب ضد الإسلام بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 منعطفا جديدا لم يكن مألوفا من قبل، ولعلها أكبر هجمة بعد الحروب الصليبية التي لم يكن هناك في حينها لا إعلام ولا أقمار تنقل الصور والبشاعات، فقد أصبح الإسلام مستهدفا بشكل كبير باعتباره عدوا للحضارة الغربية تارة، وتهديدا للغرب أخرى، وإرهابا تارة ثالثة، وهمجية تارة رابعة.

ليس في الأمر مفاجأة، ففي كل مراحل التاريخ كان الإسلام في جوهر الصراع العالمي العقائدي والسياسي، تبدلت الإمبراطوريات وسادت ثم بادت ولا واحدة منها انحرفت عن طريق المواجهة مع الإسلام، ويحاول الغرب اليوم بدفع قوي من التحالف المسيحي اليهودي الناشط في أكثر من بلد أوروبي أن يبعث تركة الماضي الصليبي في الحرب على الإسلام والمسلمين، وإطفاء نور الحق الذي رأوا كيف تحدى صراعات البقاء والإمبراطوريات المتعاقبة في الزمن.

بعد 11 سبتمبر، وجد الكثيرون في الحادث فرصة للنيل من الإسلام وشن حرب إعلامية ودعائية قوية ضده، مستفيدين هذه المرة من الأجواء المشحونة ضده في أمريكا وأوروبا، لتأليب الرأي العام العالمي والغربي على المسلمين، وخلق حالة من"الفوبيا"الخطيرة التي تهدد بقطع جذور التواصل الحضاري.

ولكن الأمر لم يتوقف عند حد اتهام المسلمين والإسلام بالإرهاب والعنف والهمجية، بل تعداه إلى المس بشخص الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - وإلصاق التهم الرخيصة به عليه الصلاة والسلام، وهي زيادة في الكيد تبين بأن الأمر يتجاوز كونه نتاج سوء فهم أو تقدير، بقدر ما هو حرب حقيقية فيها من الإذلال قدر كبير وفيها من الاستكبار القدر الأكبر.

الخطير في الأمر أن هذه الحملة الكيدية ضد شخص النبي صلى الله عليه وسلميشرف عليها ويقودها -وهم وقودها- رجال دين مسيحيون وراءهم أتباع وأنصار، مثل القس"جيري فلويل"و"بات روبرتسون"و"فرانكلين جراهام"و"كورت كرين"، كما أن هؤلاء لا يقتصرون على صفتهم الدينية ومواقعهم الكنسية كقساوسة فقط، بل لهم نشاطات سياسية ويتمتعون بنفوذ سياسي قوي، مثل القس"روبرتسون"الذي ترشح عام 1988 للرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية، ويقود (التحالف النصراني) في الحزب الجمهوري الحاكم، وكان الرجل قد لعب دورا بارزا في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق"رونالد ريغان"الذي شهد عهده نموا واسعا لليمين الديني المسيحي في أمريكا، ويمول عددا من المنابر الإعلامية والقنوات التي يروج من خلالها لأفكاره المتطرفة الشاذة.

زد على ذلك أن هذه الحملة لا تقتصر على بلد أوروبي بعينه، بل بدأت تنتشر في كثير من البلدان الغربية، ووصلت إلى إسرائيل حيث ألف يهود أغاني تدعو إلى هدم المسجد الأقصى وإقامة الهيكل محله. ما يعني أن الحملة وراءها تحالف صهيوني مسيحي نافذ يريد أن يشعل فتيل المواجهة مع الإسلام، وأن يوظف السياسة الأمريكية ما بعد 11 سبتمبر الموجهة ضد ما تسميه هذه السياسة بـ"الإرهاب"لتصفية الحساب مع الإسلام والمسلمين، ومع الفلسطينيين في فلسطين، إذ ليس يخفى ذلك التناغم بين الحملة والعدوان الصهيوني في هذا الظرف العالمي الدقيق.

إن العداوة الغربية للإسلام أمر ثابت منذ وقت طويل، وقد أفصح الغرب عن هذا التوجه العدواني في عدة محطات ومواقف ليس أولها تقسيم فلسطين نفسها والتآمر عليها، ولا آخرها احتلال البلدان العربية والإسلامية ووضع سياسات عنصرية لصرف المسلمين عن دينهم، كما أن الكيد اليهودي للإسلام في العصر الحديث مما لا يمكن أن يخفى على أحد، فكم مرة نسمع عن صناعة ألبسة أوأحذية أو عطور عليها إسم الجلالة أو اسم النبي -محمد r- سخرية واستهزاء وإذلالاً للمسلمين، ولا يتحرك الغرب ليوقف هذا العدوان، فيما هو ينهض ضد حق المسلمين في المنافحة عن دينهم وكرامتهم، وما قضية سلمان رشدي وتسليمة نسرين إلا نموذجين للازدواجية الغربية في التعاطي مع دعوى حقوق الإنسان، فلم يقتصر الغرب على الدفاع عن هؤلاء بحجة تلك الدعوى المختلة في الموازين الغربية، بل كافأهما بالجوائز والأوسمة الأدبية، وفي العام الماضي منحت جائزة نوبل للآداب لكاتب هندي مغمور يدعى"ف،س،نايبول"معروف بعدائه للإسلام والمسلمين، وكتبت الصحافية الإيطالية"أوليانا فالاشي"كتابها"الكبرياء والغضب"المليء بكل أشكال الحقد الأعمى على الإسلام والمسلمين، وعاد المستشرق اليهودي العجوز"ماكسيم رودنسون"بعد 11سبتمبر إلى حملاته التقليدية ضد القرآن والإسلام والحضارة الإسلامية، معطيا إياها نغمة جديدة تساير أجواء ما بعد الأحداث في الغرب، النفسية والسياسية والإيديولوجية. وفي خلال كل هذه المواقف المتتابعة، منذ ما قبل 11 سبتمبروبعدها، بدا الأمر وكأن هناك"حلفا مقدسا"في الغرب وفي أمريكا بالذات يستجمع قوته للهجوم على الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت