إن هذه الحملات كلها، ما هي إلا حلقة في سلسلة ممتدة عبر تاريخ العلاقة المهتزة بين الغرب والإسلام، كانت ترتفع أحيانا وتهدأ أخرى، لكنها لم تبرح ذاكرة الغرب ونخبه ومثقفيه، واتخذت دفعة قوية بعد انهيار الشيوعية وزوال الاتحاد السوفييتي، لتتخذ دفعة أقوى بعد أحداث سبتمبر من العام الماضي، والتي اعتبرها الأصوليون المسيحيون المتطرفون واليهود مناسبة لا يجب أن يخطئوا مواعيدهم معها، ليجعلوا منها عنوانا لصراع الحضارات الأثير لديهم.
وبنظرة للتاريخ، نجد أن صورة النبي - صلى الله عليه وسلم - في أذهان القساوسة المسيحيين ورجال الدين منذ عدة قرون، هي صورة الرجل المعادي للمسيحية، وكانت تلك الصورة جزءاً من الصورة العامة المشوهة للإسلام في الغرب، والاعتقاد الراسخ دائما لدى المنظرين والكتاب المسيحيين هو أن تشويه صورة نبي الإسلام يؤدي إلى انهيار الإسلام في نفوس أبنائه، وقد بين"دانييل نورمان"في كتابه (الإسلام والغرب) هذه الخطة الإيديولوجية المسيحية من خلال عبارة وردت في باب النبوة المزيفة جاء فيها:"لقد بدا لأولئك الأكثر اهتماما أن الهجوم المسيحي يجب أن يوجه بمجمله إلى تعرية الرسول، فإذا أمكن إظهاره على حقيقته، أي تجريده من صفات النبوة، فإن ذلك سيؤدي إلى انهيار صرح الإسلام كله".
وقد كان الحقد على الرسول - صلى الله عليه وسلم - هو الطاغي على الفكر المسيحي قبل وبعد موجة الحروب الصليبية، وبلغ هذا الحقد مبلغه على يد"بطرس المبجل"الذي قال قبل سبعة قرون:"إن أوضح منهج لصدق النبوة، هو المنهج الذي يتضمن رفض دعوة محمد"، ورسخت المسيحية في أذهان أتباعها أن الإسلام ليس سوى مروق من المسيحية، وأنه دين وثني يحتل فيه النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - موقع المعبود، بل أشاعت الكنيسة أن المسلمين يعبدون ثالوثا هو:ماهوميت (أي محمد) وأبوللو وتروفونيوس (الإسلام والمسيحية،جورافسكي،عالم المعرفة ،الكويت) .
ولم تكن هذه الصورة المنحرفة عن الإسلام والنبوة قاصرة على الأدبيات الدينية، بل لقد لعب الأدب الغربي والأساطير الشعبية المتأثرة بتلك الصورة النمطية التي كرستها المسيحية دورا بارزا في ترويج تلك الصورة المعوجة وتكريسها في الوعي الغربي الحديث والمعاصر، وقد لا يتسع المجال للإحاطة بكل ما كتب في هذا النطاق وهو كثير، ولكن يمكن الاقتصار هنا على ما جاء عند الكاتب المسرحي الإيطالي"دانني"في كتابه المعروف"الكوميديا الإلهية"،حيث إنه جعل النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - (موميتو في النص) ضمن نزلاء الجحيم رفقة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- مع مثيري الفتن والانشقاقات الدينية والسياسية، وهذا أخطر تعبير عن الجهل والتعصب المسيحي ضد الإسلام في عصر ما يسمى بالنهضة الأوروبية الحديثة.
وفي"أنشودة رولان"المسيحية نقرأ مثلا أن المسلمين"رفعوا تمثال محمد فوق منارة، وكل الوثنيين كانوا يصلون له ويعبدونه"والمقصود بالوثنيين هنا المسلمون (البيتان 853-854) . أما الفيلسوف الفرنسي فولتير فقد كتب في رسالة إلى ملك بروسيا يقول:"محمد عندي ليس سوى مراء في يده سلاح".
وكلمة"ماهومي"أو"مامت"التي تشير في اللغات الأوروبية إلى النبي محمد مشحونة بمعانٍ،وهي من الكلمات التي كانت رائجة في MOMET التحقير القذف،فهما مأخوذتان من كلمة في القرون الوسطى،
وتحملت معاني الألوهية المزيفة، قبل أن تستعمل منذ عام 1529م للسب والقذف، وهذا يعني أن اللغة اللاتينية نفسها في ما يخص النبي -محمد r- لغة متحيزة وعنصرية.
لقد ساعدت هذه الصور النمطية عن الإسلام في الثقافة المسيحية في بلورة موقف سياسي محدد من الإسلام والمسلمين في العصر الحديث، وعمل اليهود في فترات معينة من التاريخ على استثمار هذه الثقافة لصالح مشروعهم الاستيطاني في فلسطين، وتهويد الأماكن المقدسة بها،إذ وجدت الحركة الصهيونية في الغرب المسيحي بيئة ثقافية ودينية ملائمة مكنتها من جلب الدعم المالي والسياسي، وقدمت الأصولية المسيحية المسوغ الديني لهذا الدعم في الغرب، ولا تزال هذه الأصولية تشكل أهم مصادر التأييد الدائم لإسرائيل في الولايات المتحدة.