فهرس الكتاب

الصفحة 4194 من 27364

"الأسلوب المغربي"وسياسة المخالفة.. للحالة الجزائرية

مرت قضية الأمازيغية في المغرب بتحولين بارزين في مسارها، الأول كان بعد مرحلة الاستقلال عن فرنسا حينما بدأت الدولة المغربية تنهج أسلوب الإدماج بالدفع نحو خلق أحزاب سياسية تقود القبائل الأمازيغية، أما التحول الثاني فهو الذي ظهر في الثمانينيات والتسعينيات حين بدأت بعض الجمعيات الأمازيغية في الظهور على مسرح الأحداث بتأثير عوامل داخلية وخارجية عديدة ليس هنا مجال التفصيل فيها، فظهر خطاب جديد لدى الحركة الأمازيغية يريد الابتعاد عن هيمنة الدولة والأحزاب ذات التوجه الأمازيغي معاً، وطرح نفسها طرفاً مستقلاً يتبنى مطالب جديدة ويتخذ أسلوباً سياسياً وثقافياً يتسم بالتراشق الايديولوجي والصراع السياسي، وبين هذين التحولين البارزين وبالتوازي معهما أيضاً، كانت هناك أنشطة أكاديمية في الجامعات تسعى إلى تأسيس قاعدة لغوية ولسانية للأمازيغية والبحث عن جذور اللغة والثقافة الأمازيغيتين في تاريخ المغرب. وكان اعتراف الجزائر مؤخراً باللغة الأمازيغية كلغة رسمية قد ألقى بظلاله بلا شك على القضية الأمازيغية في المغرب، مشكلاً ضغطاً لصالح تلك القضية.

وقد شكلت بداية التسعينيات منعطفاً بارزاً في مسار دعاة الأمازيغية في المغرب بتوقيع عدد من الجماعات الأمازيغية عام 1991 على ما يسمى"ميثاق أغادير"الذي تضمن للمرة الأولى مجموع مطالب هذا التيار وأهدافه الثقافية واللغوية والسياسية، ومنذ ذلك التاريخ بدأت المواجهات الصامتة بين الدولة وهذه الحركة، لكن الموقف المغربي الرسمي ظل يتسم بطابع الحذر تجاه مطالب الاتجاه الأمازيغي وأنشطته، وتراوح بين المنع والسماح المقيد لشتى تعبيراته في الساحة الثقافية والسياسية، دون أن يصل الأمر إلى حد المواجهة التي تبشر بالقطيعة وتؤثر على ما يسميه المراقبون والمسؤولون"الأسلوب المغربي"في التعاطي مع القضايا الساخنة.

وقد ظل النموذج الجزائري في التعامل مع الحركة الأمازيغية يلقي بآثاره على صناع القرار في المغرب، ويفرض على الدوائر الرسمية التقاط الإشارات وفهم الدروس لتجاوز الحالة الجزائرية، سواء فيما يخص العلاقة مع الإسلاميين أو مع التيار الأمازيغي، لتجنب السقوط في"المستنقع الجزائري"، وهو ما تفهمه الدوائر المغربية على أنه هدف للعسكريين الجزائريين لضرب وحدة المغرب البشرية بما ينعكس سلباً على قضية الصحراء، عنوان المواجهة الأبرز بين الجارتين. لذلك ظل المغرب يرى في تعاطي الجزائر مع الملفات الشبيهة نموذجاً ينبغي عدم تكراره، ولعل الإطار التاريخي للمغرب يمثل أحد العوامل التي ساعدت على نجاح"الأسلوب المغربي"في التعامل مع تلك الملفات، بسبب تجذر الملكية والصلاحيات التي يمنحها الدستور للملك، هذه العوامل كانت تمنع الصراعات السياسية الداخلية من اتخاذ النظام هدفاً للرهانات السياسية، بخلاف الجزائر، حيث كانت الصراعات تقوم على أساس التشكيك في شرعية النظام وطابع الحكم.

من التكريس إلى التسييس

ساعدت العوامل الإقليمية والعالمية في نهاية التسعينيات على نمو الحركات الأمازيغية وخطابها السياسي والأيديولوجي والثقافي، مع اتساع مفهوم عولمة حقوق الإنسان وحقوق الأقليات والإثنيات، ووجوب إيجاد مراكز للانطلاق منها لضرب قوة الحركات الإسلامية والحد من نموها ونفوذها، وقد كان مؤتمر حقوق الإنسان في فيينا عام 1993م أول منبر دولي لطرح القضية الأمازيغية على مستوى عالمي وترويج أطروحاتها السياسية والثقافية باعتبارها تعبيراً عن أقليات مقموعة ومهضومة الحقوق!! وطرحت في ذلك المؤتمر مسألة إيجاد تنظيم عالمي يضم جميع التيارات الأمازيغية في بلدان المغرب العربي وإفريقيا الساحل وشمال إفريقيا، وهو الذي تأسس عام 1998م تحت اسم"الكونجرس الأمازيغي العالمي".

ورغم الخلافات الحادة داخل هذا الكونجرس العالمي التي عرقلت سيره وأدخلته في نفق مسدود، فإن الإعلان عنه في حد ذاته كان قوة جديدة دافعة لهذه التيارات لتصعيد مواقفها ورفع الصوت بمطالبها.

وبعد إنشاء هذا الكونجرس العالمي بسنتين اتخذت الأطروحة الأمازيغية بعداً أكبر بتقديم وثيقة خاصة عرفت ب"البيان الأمازيغي"، قادها محمد شفيق أحد الوجوه البارزة في البحوث الأكاديمية حول اللغة الأمازيغية، وصاحب أول معجم أمازيغي عربي، وسميت الوثيقة التي تتألف من سبع وعشرين صفحة ب"بيان من أجل ضرورة الاعتراف الرسمي بأمازيغية المغرب"، ونشطت حركة جمع التوقيعات للناشطين الأمازيغيين المؤيدين لمضمون البيان وبنوده، فوقع عليه أكثر من أربعمائة شخص من الجمعيات الأمازيغية والناشطين الأمازيغيين المستقلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت