فهرس الكتاب

الصفحة 5422 من 27364

خالد بن محمد الماجد 27/3/1424

إذا لم يشغلنا الهياج العاطفي المصاحب للهجمة التي تشنها بعض الصحف على مجتمع العلم والدعوة، وإذا أتحنا لعقولنا أن تنفذ بصيرتها في تفاصيل هذه الهجمة التي تمثل الجزء الأكبر من تغطيات تلك الصحف اليومية لحوادث التفجير، وما تلاها من تداعيات، فسنكتشف أن حظوظ الهجمة في الفشل كبيرة؛ لسبب واحد راجع إليها نفسها، وهو أنها تفتقر إلى شروط القول الحسن الذي يتلقاه الناس بالرضا والتسليم، أو بالاحترام والتماس العذر، وهي: العلم، والحكمة، والصدق (المصداقية) ، والنصح، وعدم التناقض. وحين لا يكون في القول من الحسن إلا حلاوة اللفظ، فما ينبغي للقائل أن تغره فيفرح بها؛ لأنها إيذان بدخوله في الذين وصفهم أعلم المتكلمين، وأحكمهم، وأصدقهم، وأنصحهم، فقال عزَّ من قائل عليم: (وإن يقولوا تسمع لقولهم) ، بيد أن هذه الفرصة التي منحها هؤلاء للتخفي وراء ستر الحلاوة اللفظية فرصة مشوبة بكدر الكشف؛ لأن سترها لا يخفي معالم القبح كلها، مما يتيح للخاصة الاطلاع عليه (ولتعرفنهم في لحن القول) ، كما أنه ستر لا يطول زمنه، إذ لا يلبث أن ينحسر كاشفاً للعامة عن العورة كلها، فهو كالظلام لا يزال يستر العاري حتى يشرق عليه النور.

إنها هجمة تفتقر إلى العلم بما تهاجمه فتنسى في غمرة هجومها أنها تقترب من نسف بعض أهم الثوابت، التي تمثل أركاناً في الدين الذي آمن به المجتمع -حتى المهاجمون- وأصبح الأساس الذي قام عليه، والمرجعية التي يفيء إليها، ومنها عقيدة الولاء والبراء، وهي ثمرة الإيمان بالإسلام، ويصرح بعض المهاجمين بدعوى التناقض الذي عليه العلماء والدعاة حين يستنكرون عمليات التفجير، ثم يقررون مبدأ الولاء والبراء، والجهاد في سبيل الله، وتسدد أقلامُ كتاب تلك الهجمة و (كاريكاتورييها) سهامَ التجريح والتنقيص إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، غير محتفلة بجماله، ولا خجلة من جلاله، ولم يشفع له عندها ما زخر به الكتاب العزيز من الاحتفاء العظيم به، وبأهله، حتى ليكاد يخلو من التصريح بعدِّ أخطائهم التي قد تقع حال قيامهم به، وتعدى هجومها فطال المجتمع بأسره الذي لم يزل يقر تدريس هذه المبادئ في مناهج التعليم، وشمل هجومها الدعوة إلى الله فأنكرتها في مجتمع المسلمين، بل وجرمتها، وأعلنت أنها خروج عن أهداف العملية التعليمية، وساقت حجة تنبئ عن افتقار إلى العلم فتقول: كيف تتوجَّه الدعوة إلى المسلمين، هل هم كفار؟ وإذا كان من الممكن أن يقترح أصحاب الهجمة شطب أول أهداف التعليم في المملكة الذي نصت عليه سياسته، وأن يقترحوا على وزارة الشؤون الإسلامية إغلاق قسم الدعوة في الداخل، وتسريح دعاته، فليبينوا لنا كيف نفعل بالقرآن الذي يشاركوننا الإيمان بأنه حق ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) ، حيث ترد نصوصه بأمر المؤمنين بالإيمان كقول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله..) وأمر المسلم المصلي قارئ القرآن بأن يردد في كل صلواته أكثر من سبع عشرة مرة (اهدنا الصراط المستقيم) وتوجه دعوة صريحة للمؤمنين كقول الله سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) ، فما الحيلة مع هذه النصوص؟ هل نقبلها فنؤمن بها، ونعمل بمقتضاها، أو ننقلب عليها، فنزيلها من المصحف.. مثلاً، أو نتعامل معها بعقلية الببغاء فنمرها كما جاءت، بلا فهم لمعانيها، ولا عمل بمقتضاها.

كما أنها تفتقر إلى العلم بمن تهاجمه، فهي تظن أنها تهاجم طائفة قليلة من المجتمع، يحلو لها أن تسميهم بالمحافظين والسلفية الحركية أو الصحويُّون، أو (غلاة الوهابية) والحقيقة الساطعة أن كل من يدين بالولاء لهذا الدين، والعمل لنصرته، ويفرح بكل انتصار يحققه، ويحزنه كل هجوم من أعدائه على مقدسات الدين، وعلمائه، ودعاته، ومؤسساته، يشعر بأنه هدف هذه الهجمة، وهذا يشمل المسلمين جميعاً، من أعضاء هيئة كبار العلماء إلى عجائز المسلين في القرى والهجر، فهاتوا أحداً من هؤلاء يقبل تصريح بعض أولئك المهاجمين، بأن أحد عناصر ثالوث الإرهاب (العقيدة التيمية الوهابية) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت