فهرس الكتاب

الصفحة 5423 من 27364

ولئن احتالت الهجمة بأن تقصر التهمة على تلك الطائفة، وأن تبرئ المجتمع منها، وتبرئ الدين منها ظاهراً، فحيلتها مكر سيئ (ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله) ، وهو أسلوب رخيص سبقتهم إليه الإدارة الأمريكية في حربها على الإسلام وأهله، حين احتالت بدعوى معاداة الأصولية لا الإسلام، ومحاربة الإسلاميين لا المسلمين، فما استساغ حيلتها المسلمون في أقطار الأرض كلها، فكيف ينتظر أن يستسيغها هذا المجتمع، وحظوظ أهل العلم والدعوة فيه أعظم من حظوظ الصحافة، وأقدامهم في أرضه أرسخ من أقدامها، وأيديهم أطول، وقلوبهم أثبت، ونفوسهم أشجع، ومقاصدهم أسمى، وأعمالهم أزكى!، فنصرة المجتمع ستكون لهم، لا لها، وغضبه سيكون عليها، لا عليهم، كيف وهم أهل الإسلام، وفي جزيرة الإسلام، وجوارهم حرم الكعبة قبلة الإسلام، وحرم المدينة أول مسجد بني في الإسلام. وهاهي حملتها نفسها تكشف للمتبصِّر ما لأولئك العلماء والدعاة من الحضور، حيث طلب رأيهم المجتمع كله وتطلَّع إليه، حتى هذه الصحافة أصرت على إحراجهم فإذا هي تعزز حضورهم من حيث أرادت أن تسحب البساط من تحتهم، فأطبق المجتمع على أن أي جهود لحل العنف لا يكون للعلماء والدعاة فيها القدح المعلى فمآلها الفشل. ويالها من مفارقة! وصدق ربنا إذ يقول: (إن الله لا يهدي كيد الخائنين) .

كما تفتقر إلى المصداقية -أهم سمات الصحافة الهادفة الشريفة- وذلك ما شاهده الناس، وشهدوا به، وبخاصة في حملاتها على مؤسسات الدولة الشرعية، وأكذبهم فيها المسئولون أنفسهم، وليس آخرها تغطية بعض الصحف لتمثيلية الانتحار الساذجة في الأسبوع قبل الماضي، وهي بمعايير الصحافة كلها فضيحة مخزية، لو كان ثمة من يحاسب. إن رسالة الصحافة الإصلاح، وليس الكذب، أو الاستفزاز تحت اسم الإثارة، وما ينبغي أن تكون مكاناً لنفث أحقاد الصدور، أو دعوة الناس إلى (الكراهية) .

كما تفتقر إلى النصح، فأما عدم نصحها للدين فذلك أيسر ما يمكن المتابع التوصل إليه، وأما المجتمع فما نصح له من ضرب عامته بأئمته، وأوقد فيه نار الاحتراب، وهذا ما أحسب الهجمة قد أوغلت فيه.

وهي بهذا تفتقر إلى الحكمة؛ لأنها إذ تعمم تهمة الإرهاب على مجتمع العلم والدعوة كله، وهو الذي يواليه بل وينضم إليه غالب المجتمع فإنما تفتت وحدة المجتمع أبلغ تفتيت، وترسِّخ -بلا وعي- قدم الإرهاب في المجتمع، وتقوي ذراعه، حيث يظن من هو واقع في الإرهاب حقاً بدافع ديني -على فرض صدق التهمة- أن قاعدة المجتمع العريضة تؤيده، فيوغل في العنف، كما أنها تقدم الذريعة القوية للإدارة الأميركية لمزيد من الضغط على المجتمع وابتزازه في مرحلة عصيبة من تاريخه، فأي خير للمجتمع -يا أصحاب الهجمة- تجلبون، وأي شر تدفعون؟!.

وأما أنها هجمة تفتقر إلى الاتفاق وعدم التناقض، فلأن هدفها المعلن الكف عن الإرهاب، ومحاربته، وتجفيف منابعه، وأسلوب هجومها يناقض ذلك أشد مناقضة؛ لأن مسلكها العدائي الصارخ لمجتمع العلم والدعوة، والاستعداء عليه، الواقع عن إصرار وتعمد ينبت الإرهاب، بل هو ممارسة لأشد أنواع الإرهاب أثراً، فهو من جهة يحفز إلى الإرهاب الدموي؛ بمحاولته توسيع دائرة الاتهام به، ليشمل أكبر عدد من المسلمين البرآء، فيوقد نار العداوة في قلوبهم، ويغريهم بالانتقام. ولا أدري كيف يعزب عن المهاجمين معرفة ما يحدثه هجومهم من غضب عارم في أوساط المسلمين، وأوساط الشباب خاصة، وسنهم سن الإرهاب الذي يخشونه؟ وهذا الأسلوب من جهة أخرى ممارسة للإرهاب الفكري؛ حيث يستعدي السلطة على ذلك المجتمع لتوجه إليه سوطها الغليظ، فتحاصر رأيه، وتضيِّق الخناق عليه، وتسلبه حقه في معالجة المشاكل وفق ما يراه هو، لا ما تراه الصحافة، وتعلمنا درساً في الحرية التي تلوكوها كثيراً ألسنة المهاجمين حين يلزم رئيس تحرير إحدى الصحف السلطة بأن عليها أن تفهم خطاب ولي العهد وتعمل به (ألا تقبل استنكاراً للحدث تعقبه(لكن) ، أو يكون مشروطاً بنقد العلمانية). هذا الإرهاب الذي يؤصله أدعياء الحرية أشد وأنكى من الإرهاب الدموي، يقول ربنا: (والفتنة أشد من القتل) .

فإلى مجففي منابع الإرهاب دعوة صادقة ألا ينسوا تجفيف هذا المنبع الفوار بطوفان الإرهاب، الذي قد يغرق المجتمع.

ومع هذا الحظ الكبير في الفشل الذي ينتظر الهجمة؛ فإن لها فرصة في النجاح، هي فرصة الباطل الضعيف في غيبة الحق القوي، لن يكون إلا استثناءً، غير كامل، ولا دائم، وسيكون سببه السبب نفسه الذي ينعتق به اليهود - لفترة من الزمن- من ربقة الذلة المضروبة عليهم، المنصوص عليه في الكتاب العزيز (ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس) وفرصة النجاح هذه وإن كانت قليلة النفع لأصحاب الهجمة، قليلة الضرر على أهل العلم والدعوة؛ إلا أنا نرجو الله ألا تتاح لهم، فلا يمتد إليهم حبل من الله، ولا من الناس، وإن كان امتد منه شيء؛ فنأمل أن ينقطع بهم، ليتردوا من شاهق في درك الذلة الذي يستحقونه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت