فهرس الكتاب

الصفحة 24370 من 27364

هذا الفرق في رد الفعل على حالة واحدة ، هي الاستيلاء عسكريا على بلدين ، يؤكد أن الغرب لا يملك الرادع الأخلاقي ولا القيم الإنسانية التي تسمح له بخوض حوار إيجابي مع طرف أضعف منه بكثير، ومن يتوقع منه ذلك يجهل، أو يتجاهل الواقع المر. فالحوار إذن بين قوي وضعيف وليس بين أنداد في عالم وحشي وبربري يحكمه قانون الغاب، وفيه لا بد للضعيف أن يصغي ويقبل وإلا فإنه سيقتل!

غياب حسن النية

الحوار كلمة تنطوي على معنى إيجابي فهي نقيض الحرب ، أو على الأقل هي وسيلة تتجنب الحرب والصدام وتسعى لإيجاد عناصر تفاهم بين طرفين مختلفين ويسعيان للوصول إلى حل عبر الوسائل الودية. هل ينطبق هذا التعريف للحوار على (الحوار) بين العرب والغرب؟ الجواب هو كلا ، لأنه ، أي الحوار ، ، وببساطة ووضوح تامين، عبارة عن أسلوب ملحق وخادم للأسلوب الأساسي: إخضاع العرب بمختلف الوسائل وفي مقدمتها العنف. ولإثبات ذلك يجب التذكير بأجندة (الحوار) هذا، فكلها تنصب على إلزام العرب بقبول مفاهيم وخيارات غربية وتخدم الغرب والصهيونية وليس من بينها أي خيار يخدم المصالح المشروعة للعرب، فالجانب الغربي، سواء كان أميركيا أو أوربيا، يريد منا أن نقبل مفهومه للإرهاب، والذي يشمل أساساً المقاومة المشروعة للاحتلال في فلسطين والعراق، وذلك يعني عمليا أن نقبل بالاحتلال وضياع الحق المشروع لنا، وأن نتخلى عن جزء من ديننا ونزيله من القرآن الكريم وأن نقبل (بالقيم الغربية) الخاصة بمعاني (الشرف) والزواج والشذوذ الجنسي والعلاقات الجنسية خارج الزواج ، وأن نتخلى عن أي نظام اقتصادي يضعف نهب الغرب لثرواتنا ويفرض علينا الشركات التي يريد كي تسيطر على اقتصادنا، وأن ننسى أننا عرب وننتمي لأمة واحدة وأن نتصرف بصفتنا بلداناً متفرقة ومختلفة لا يربط بين العراقي واليمني إلا ما يربط العراقي بالأجنبي كالارجنتيني، وأن (نحب) إسرائيل ونتوقف عن رفض احتلالها وتوسعها ومجازرها ضدنا.. الخ..

هذه القائمة الطويلة من طلبات الغرب من العرب أثناء الحوار تعد طريقاً باتجاه واحد المستفيد فيه طرف واحد والخاسر فيه طرف واحد ، فأين الحوار الإيجابي الذي يفيد طرفيه؟ في الواقع لم يقم حوار متكافئ أبداً، والعرب الذين طالبوا بحقوقهم أثناء (حوارات) معينة استبعدوا وانقطع الحوار معهم ، أو طلبوا منهم تأجيل طلباتهم لما بعد نجاح الحوار! فأي حوار هذا الذي يجرد الطرف الأضعف فيه حتى من ملابسه الداخلية ويجبر على فتح الغرفة الخاصة جدا بحريمه للجان التفتيش وحقوق الانسان؟! هذا النوع من الحوار هو امتداد للبندقية الغربية والصهيونية التي تبيد أبناءنا وتدمر وطننا يراد منه إقناعنا بقبول التنازل عن الثروات والهويتين القومية والدينية بالحوار وإلا فالبندقية جاهزة للقتل !

غطاء للاستعمار الجديد

إن (حوار الحضارات) ، الذي تخلت عنه أميركا رسمياً وفعلياً واختارت ا بادة الحضارات الأخرى بالقوة العسكرية ، مازال التكتيك المفضل لحلفاء أميركا الأوربيين، خصوصا ًبريطانيا فرنسا وألمانيا، فلئن كان الأميركي يقتل العربي بالرصاص ويدمر إنسانيته بالاغتصاب الجنسي فإن الأوروبي يحاول أن يمتص غضب العربي ويخدعه بادعائه أنه (صديق) يريد الحوار والتعاون لا الحرب ولا الغزو والهيمنة ، ولكن في الحالتين النتيجة واحدة وهي إجبار العرب على تطليق هويتهم وتاريخهم وثقافتهم ودينهم وتسليم ما تبقى حرا من ثرواتهم للغرب. إن هذا النوع من الحوار هو أحد أهم وسائل استعمار الغرب للوطن العربي ، فما أن يضرب الأميركي بالرصاص عربياً ويقتله حتى يتقدم أوروبي ليقول لشقيقه: إذا أردت النجاة من المصير المؤسف لشقيقك فوافق على ما نريد! ألا يشكل ذلك كله نقضاً للحوار ووأداً له؟

هنا يطرح سؤال مهم وهو التالي: إذا كان هذا الضرب من الحوار هو في الواقع أداة إخضاع واستعمار يكمل ويدعم البندقية وليس بديلاً عنها، فهل يعني ذلك التخلي عن فرص البحث عن حلول سلمية تجنبنا التعرض للابادة ، او على الاقل تقلل منها وتحفظ مصالحنا ، أو على الأقل قسم منها ؟ بالتأكيد كلا ، إذ يجب اغتنام أية فرصة (حوار) لإيصال صوتنا للطرف الآخر، والتأكيد له أن ما يفعله لن يخلق تعايش حضارات بل حروب حضارات ستعم الجميع وستؤدي الى خسارة الجميع ، ولضمان أن يكون لنا صوت مسموع يجب أن يسند حوارنا مع الآخر ببندقية المقاوم سواء في فلسطين أو العراق ، وفي أي قطر عربي يتعرض للاحتلال أو التهديد به. بتعبير آخر: أن الطرف الآخر لن يصغي لنا جدياً أبداً إلا إذا أدرك أننا نملك وسائل إيذائه وتهديد مصالحه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت