فهرس الكتاب

الصفحة 11813 من 27364

ب) وأمَّا دمج تعليم البنات مع تعليم البنين فشغّب به بعض الكتّاب؛ والحق أنَّه لم يستنكره من استنكره من العلماء والدعاة المخلصين الغيورين لمجرد كونه دمجاً إدارياً، ومن الظلم أنَّ نظنَّ بأنَّهم بهذا المستوى من النظر، ولا سيما أنَّ كثيراً ممن نعرف حالهم من أولئك ليسوا أهل طيش ، ولا دعاة خروج على أولي الأمر ولله الحمد.. بل أجزم أنَّ من أعرفه منهم لا ينفك في الأمور العامة عن رأي العلماء الكبار.. ثم إنَّ من أعضاء هيئة كبار العلماء من أفصح عن تخوفه من قرار الدَّمج ، وعلَّل ذلك بعدد من الأسباب والظروف المحيطة، والزخم الإعلامي المريب الذي سبق الحدث وصاحبه، وما تضمنه من مطالبات تغريبية تزيد الموضوع توتراً، وغير ذلك من الأمور التي لا تخفى على من عاش الحدث وتابعه ..

فالموقف المعروف حينها يمكن إيجازه في التخوف من الحال التي يخشى النَّاسُ أن يؤول إليها الأمر، من مثل الاختلاط في المدارس بين البنين والبنات، والمعلمين والمعلمات، ولو تدرجا بالبدء من دمج الجنسين في الصفوف الدنيا.. وقد كان هذا التخوف ظاهراً وجلياً، وواضحاً لدى ولاة الأمر، فبادر ولي العهد حينها بالتعهد للأمة أنّ ما يخشونه من قرار الدمج لن يقع بإذن الله؛ وعبّر عن ذلك بتعبيرات أوجدت ارتياحا عاما لدى النَّاس، وهذا ما آل إليه الأمر بحمد الله تعالى وظهر جلياً في المدّة الأخيرة بعد أن اتخذت القرارات الضابطة لذلك ، نسأل الله عز وجل أن يديم علينا نعمته، ويوفق ولاة الأمر لما فيه خير العباد والبلاد.

ج) وأمَّا ما يقال حول الفتوى بمشروعية فتح البنوك الإسلامية ، فيقال: يجب أن يُعلم أنَّ العلماء لم يُحرِّموا التعامل مع بعض البنوك لكونها بنوكاً، وإنَّما لقيامها في الجملة على النسق الغربي الربوي، فلمَّا وُجِد البديل الإسلامي، وأمكن فتح بنوك ومصارف وبيوت تمويل تتحرّى التعامل الشرعي، كان الدعم لها من أهل العلم ولاسيما ممن بذلوا جهداً عظيماً وسنين عديدة في إيجاد البديل الإسلامي، حتى وصل الحال إلى ما نحن فيه من تقدّم في المصارف والبنوك ذات المعاملات الإسلامية، وهي بحاجة إلى مزيد من الفطنة والورع ومراقبة تنفيذ قرارات اللجان الشرعية كما هي ..

د) وهكذا الشأن في منع أطباق البث الفضائي ، فلم يمنعها من منعها من العلماء لمجرد كونها أطباقاً توضع على أسطح المنازل أو يُستجلب بها المفيد ! وإنَّما منعها من منعها من أهل العلم الكبار في حينه، لانحصار استعمالها في الشرّ في وقتٍ، وغلبته فيما بعد؛ ثم لمَّا ظهرت القنوات النافعة، لم نجد الفتوى التي تأذن فحسب، بل وجدنا الفتوى التي تحض على الاشتراك في القنوات الصادرة عن لجان شرعية ، كقناة المجد مثلاً، التي يكرر شكرها والحثّ على مشاهداتها قمة الهرم الشرعي الرسمي سماحة المفتي العام حفظه الله، وهذا كلّه من حرص أهل العلم على فتح الذرائع المشروعة، وتشجيع البَدَل المشروع، ونشر الخير نشراً آمناً من الخلط والمزج بالشرّ ما أمكن ذلك ..

هـ) ومن الفتاوى التي فهمت في غير إطارها فتوى شيخنا العلامة: عبد العزيز بن عبد الله بن باز- رحمه الله- في الصلح مع اليهود، فقد نال منه بها قومٌ، ظنّاً منهم أنَّ الشيخ قد أخطأ، مع أنَّ فتواه رحمه الله جاءت على الأصول الفقهية المعتبرة في مشروعية الصلح بمعنى ( الهدنة ) ؛ وشغّب بها آخرون بإيعاز صهيوني ليسوِّغوا ما لم يقصده الشيخ رحمه الله فأوهموا بعض النّاس أنَّ الشيخ يرى مشروعية وجود الكيان الصهيوني والاستسلام لشروطه، وهو ما لم يَدر بخلد الشيخ رحمه الله، بل إنَّ فتاواه الصريحة بعكس ذلك في غاية القوّة والوضوح، والشيخ رحمه الله قد بيّن حرمة الصلح الدائم مع اليهود، وأكَّده في الفتوى ذاتها، وفي بيانه لمراده - رحمه الله في فتاوى لاحقة، ولعلّ من أسباب سوء فهم بعض طلبة العلم، عدم إدراكهم للفرق بين مصطلح الصلح في الشريعة الإسلامية، وفي القانون الدولي، وبيانه: أنَّ المراد بـ ( الصلح ) بالمعنى القانوني الدولي، هو: عقد اتفاق دائم بين الأطراف المتصالحة ، بخلاف معنى الصلح في المصطلح الشرعي الذي يعد رديفا للهدنة في المصطلح الشرعي الفقهي الإسلامي وفي القانون الدولي، وقد بينت ذلك بتفصيل في الجواب على سؤال عن حكم التطبيع مع الكيان الصهيوني نشر في موقع المسلم في العام الماضي.

وهذا الفرق يدركه العلماء ورجال السياسة، ولذلك نجد اللجان الشرعية في حركة حماس الإسلامية، تبني موقفها الحالي من الامتناع عن الصلح على موقف الكيان الصهيوني من عدم الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني الذي هو جزء من الأمة المسلمة، وهو ما يفسِّر عدم جنوح قيادات الكيان الصهيوني للسلم ؛ بينما لو فعل ذلك، فلن تجد حركة حماس ما يمنعها شرعا من الصلح ( الهدنة ) مع هذا الكيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت