فهرس الكتاب
و) ويمكن تقريب مسألة تغيّر الفتوى لمن قد لا يستوعبها جيداً، بالمثال السادس في مسألة فقهية عامة، لا ترتبط بالولاية ، ولكن يكثر الحديث عنها، و يتردّد فيها ذات السؤال، فتجد من يقول: لماذا منع الشيخ فلان الاستكتاب في الشركة الفلانية، ثم أباحه بعد ذلك ؟ فتجيبه: فلان منعها من أجل الربا ، فلما تخلصت من الربا - في نظره - أجازها.. فمدار الحكم على وجود الربا، من عدمه، ففتواه لم تتغير، بل تغير وضع الشركة ! ولذلك لو عادت الشركة إلى ما كانت عليه لعاد لما أفتى به فيها من قبل.. وهكذا..
وليس عسيرا على الباحث عن الحق سؤال صاحب الفتوى: لم منعت الاستكتاب في الشركة ثم أجزته ؟ ليجد الجواب المنضبط في الحالين كما أسلفت، وإنَّك لتعجب ممن ينتسب للثقافة ! ثم يسود صفحته وصحيفته بالنيل من أهل العلم دون أن يكلف نفسه عناء الأمانة التي تحمّلها ليسأل صاحب الفتوى: لم أفتيت بالمنع ثم بالجواز أو العكس ؟
ويُلحظ في هذه الصور وأمثالها أنَّ العالِم لم يتغير في منهجه أو يتراجع عن فتواه؛ وغاية ما في الأمر أنَّ مناط الحكم قد تغيّر لتغيّر الحال، فوجدت حال جديدة لها حكم مختلف، وإن كانت الصورة مشابهة في الظاهر، لكن الفتوى لا زالت ثابتة في الحال الممنوعة؛ وهنا ظنّ من لا علم عنده بفنّ الفتوى وأصول الاستدلال: أنَّ الحكم تغيّر ، ومن ثمّ تساءل- لجهله أو تجاهله: كيف يُحَرِّم العلماء كذا وكذا، ثم يحللونه بعد ذلك مع مرور الزمن ؟!
والخلاصة: أنَّ العلماء الربانيين هم الذين ردَّ اللهُ المسلمَ إليهم عند عدم العلم، فهم ضمان الشرعية في الطرح والنصح والتعامل، فعلى المسلم الصالح ، أن يرتبط بأهل العلم والديانة، وعلى رأسهم في بلادنا أعضاء هيئة كبار العلماء، واللجنة الدائمة للإفتاء، وغيرهم ممن عرفتهم الأمة وشهدت لهم بالعلم والفضل والاعتدال، من العلماء الناصحين والدعاة المخلصين في جميع البلاد .
ولو رجعنا إلى أهل العلم وكانت صلتنا بهم صلة قوية، لدفعنا الكثير من الخلط الذي قد يفتن بعض النّاس عن الحق، ويزهدهم في العلماء الربانيين، ولما احتجنا في معرفة الحقيقة إلى التاريخ، ليثبت لنا صحة نهج من أحالنا الله إليهم، فكم ضاعت من أوقات، ونيل من شخصيات، في غير حقٍّ، وربما تبيّن زللُ طالب العلم ولكن بعد عسر الرفع، مهما حاول تداركه .
ومن هنا أجد أنَّ من النصح لنفسي، ولشبابنا الكرام، ولزملائنا الأفاضل من طلبة العلم بخاصة، ولغيرهم من أهل الكتابة عامّة: التمهلَ في تقييم فتاوى العلماء الربانيين المصلحين، وعدم الاعتراض المتعجِّل على جهود الناصحين، دون دراسة جادة متعمِّقة ندرك بها الدوافع، ونعرف تفاصيل بنائها في أرض الواقع، مع الحرص على التقاء من يُستَغرب قولُه من أهل العلم والديانة أو الاتصال به، ومناقشة صاحب الرأي على سنن أهل الأناة والحكمة، حتى لا ننال من مجتهد قد بذل وسعه فنال أجراً إن أخطأ وأجرين إن أصاب، أو نؤذي مؤمناً حكم الله على من آذاه بأنَّه قد احتمل بهتاناً وإثماً مبينا، في قوله سبحانه: (( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ) ) (الأحزاب:58) .
هذا ما جال في الخاطر حول هذا المعنى في ظلّ نقدٍ عاطفي يصل إلى درجة التسفيه الممقوت، ورأيت في تدوينه ونشره خيراً لمن أراد لنفسه النجاة، وحفظها من شرِّ حظوظها، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.