وهكذا انتشر الترابيون منذ الثمانينات كالنار في الهشيم في تنظيمات الاخوان المسلمين والجماعات القريبة منها, أو المشابهة لها, في الأردن واليمن, حيث تمكنوا من محاصرة الشيخ عبد المجيد الزنداني, وفي الجزائر والمغرب وموريتانيا وغيرها من البلاد... واختلط المؤثر الترابي بالمؤثر الإيراني الشيعي في تنظيمات إسلامية نظرا للعلاقات الوطيدة بينهما, كما هو الشأن في حركة النهضة التونسية, وتنظيم"حركة الاختيار الإسلامي"في المغرب سابقا, الذي انقسم منذ سنوات, لينضم الشق الأكثر"راديكالية في ترابيته وإيرانيته"إلى التحالف مع اليسار الماركسي المتطرف في المغرب اليوم ضد إخوانه المسلمين, وهو ما يعرف باسم حزب"حركة البديل الحضاري". وبما أن التفصيل في تجليات وامتدادات التيار الترابي في البلاد العربية يطول، سأكتفي في هذا المقال, بتناول التيار الترابي في تونس, حيث حقق حتى بداية التسعينات ـ قبل انهياره الشامل هناك ـ أكبر اختراق للحركة الإسلامية بعد السودان ... حتى صار اسم الغنوشي يقرن بالترابي في العقل الجمعي للنخبة الإسلامية, وخاصة أن الغنوشي لا يكف عن وصفه بالعلامة والإمام المجدد الترابي!
وقد سبق أن نشرا كتابا مشتركا بينهما حمل عنوان"الحركة الإسلامية والتحديث"، كما أن الغنوشي أهدى أهم كتبه وهو"الحريات العامة في الدولة الإسلامية"إلى شيخه حسن الترابي, واصفا إياه بالإمام المجدد, إضافة إلى إهداءه إلى الإمام المجدد الخميني!
ونموذج حركة النهضة التونسية هو أكثر النماذج تعبيرا عن التوجه الترابي في غير السودان, ولذلك ظل العديد من الباحثين الغربيين مثل فرنسوا بورغا, الباحث الفرنسي المتخصص في الحركات الإسلامية وبعض الأتباع من الباحثين العرب أيضا, يؤكدون على تميز فكر حركة نهضة الغنوشي عن بقية التيارات والحركات الإسلامية في البلاد العربية، وهو ما يعتز رموز الحركة به ويستشهدون به باستمرار, حتى إن بعض الباحثين الغربيين يصف الغنوشي بـ"الليبيرو إسلامي".
ومما تميزت به الحركة في نظري هو الانشقاق الذي شهدته في وقت مبكر من نشأتها في أواسط السبعينات، وهي لا تزال تخطو خطواتها الأولى بحثا عن موطئ قدم لها في الساحة, ذلك الانشقاق الذي سوف يلعب دورا رئيسا في توجهاتها اللاحقة, إذ إنه رغم محاصرة المنشقين تنظيميا, بعد أن عزلوا أنفسهم برفضهم تكوين تنظيم لحركة الصحوة, فقد تمكنوا من اختراق الحركة بفكرهم ومنهجهم, عبر بعض عناصرهم التي بقيت مع تيار الأغلبية مثل بن عيسى الدمني، الذي تولى عضوية أول مكتب سياسي للحركة بعد إعلان تأسيسها في حزيران ـ جوان 1981, عبر ضغطهم على الحركة بحواراتهم مع مثقفيها وتكثيفهم للنشر عبر"مكتبة الجديد"التي كان يملكها أحدهم, والتي تحولت فيما بعد إلى"دار البراق"، وكانت تنشر كتبهم وتبيع ما يخدم فكرهم, عبر مجلتهم التي سموها مجلة الفكر الإسلامي المستقبلي, التي كانت تنشر لمنظريهم مثل صلاح الدين الجورشي وحميدة النيفر، إضافة إلى كتابات أركون وحسن حنفي وأنطونيو غرامشي, وعلي شريعتي وحتى بعض كتابات"لاهوت التحرير"في أمريكا اللاتينية"الذي كانوا معجبين به!...."
ومما ميز ذلك الانشقاق كما يرى بعض الدارسين، هو أن المنشقين على الحركات الإسلامية عادة ما يجنحون إلى ما يسمونه باليمين, فيعيبون على الحركة التميع والتساهل ويدعونها إلى التمسك بالأصول, إلا أن الانشقاق المبكر الذي قام به دعاة ما يسمى باليسار الإسلامي الذين سرعان ما اختاروا تسمية"الإسلاميون التقدميون"، كان يدعو إلى عكس ذلك، فقد كان انشقاقا إلى اليسار مشبعا بالتحامل على منهج أهل السنة، الذي كرس الانبطاح للحاكم، حسب زعمهم، والحرفية والماضوية...وكان همهم منصبا على نقد حركة الإخوان المسلمين، التي كانت تمثل في ذلك الوقت حسب اطلاعهم التعبير السياسي الحركي عن منهج أهل السنة, وينقمون عليها تمسكها به كما يرون, و"أخلاقويتها"، وهو مصطلح طلعوا به على الساحة، ويعنون به استغراقها في نقد المسائل الأخلاقية والاهتمام بها, على حساب الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للإسلام, ويدعون إلى الانفتاح الواسع على اليسار وإعادة الاعتبار إلى الفرق التي همشتها القراءة السنية الرسمية حسب قولهم.
وتجدر الإشارة إلى أن المنظرين الأساسيين، كانا حميدة النيفر الذي درس في الأزهر إلى مستوى الماجستير, وحمل عداء شخصيا لسيد قطب..., وصلاح الدين الجورشي، الذي انضم إلى شباب الصحوة شابا عصاميا بعد أن انقطع عن الدراسة قبل السنة الأخيرة في الثانوية! وهو اليوم من ألمع الصحفيين في تونس.