وقد تميز هؤلاء اليساريون بدعوتهم إلى إعادة النظر في موقع ودور المرأة في العمل الإسلامي والمجتمع وإعادة قراءة النصوص في ضوء ما سموه بمقاصد الشريعة وحركة التاريخ، وهنا أدخلوا القراءة الماركسية أي المادية التاريخية وقراءتها لأنماط الإنتاج عبر التاريخ, واستفادوا في ذلك من المنظر الإيراني الشهير علي شريعتي، الذي يدخل الصراع بين أنماط الإنتاج حتى في الخلاف بين ابني آدم، باعتبار أحدهما يعبر عن نمط الإنتاج الرعوي والآخر يعبر عن نمط الإنتاج الزراعي...!
وهكذا وصل منظرو التيار إلى القول بإلغاء الحدود والمساواة بين الجنسين في الميراث، إن لم يطالب بعضهم بإلغائه. ويوجد اليوم ثلة من هؤلاء في المكتب السياسي للحزب الديمقراطي التقدمي بقيادة أحمد نجيب الشابي, وهو تجمع يساري يضم يساريين من مشارب شتى قومية وماركسية و"إسلامية تقدمية"، وينسق مع حركة النهضة.
لقد أثارت في حينها أطروحات هذا التيار زوبعة كبيرة في صفوف الصحوة الإسلامية اليانعة, وكان الغنوشي على رأس محاربيهم متهما إياهم بالمروق عن الدين, بل إنه كان يطالبهم بمراجعة إيمانهم, ومن ذلك ما حدثني به الأخ الحبيب, لطفي السنوسي, وهو سجين اليوم ومحكوم بالمؤبد ـ وقد كان من رافضي المنهج الترابي ـ أنه عندما كان حميدة النيفر يطالب بإنكار حد الردة, كان الغنوشي يقول له:"راجع إيمانك".
ومضت الأمور على هذا المنوال بسبب تمسك الجماعة بالخط التقليدي لجماعة الإخوان المسلمين الموافق في عمومه لمنهج أهل السنة والجماعة...إلى أن عاد الغنوشي من زيارته للسودان سنة 1981، حيث مكث هناك فترة في ضيافة الترابي, وبعد عودته ألقى محاضرة بين قيادات الصحوة انقلب فيها كما يروي الشيخ خميس الماجري مقاله"قصة الإعلان"، 180 درجة على منهجه السابق, حتى قال حميدة النيفر:"لو كنت أحسن الزغردة لزغردت". ومن وقتها والحركة تشهد تحولات عميقة في منهجها الفكري والعقدي والتربوي، بعد أن اعتنق منظرها وقائدها المنهج الترابي, فهمشت التربية والدراسات الشرعية وعظمت الفلسفة والكتب الفكرية, وصار العمل الإسلامي هو العمل السياسي.
ومن المفارقات التي بانت لي بعد مغادرتي للحركة، هي أننا كنا ننتمي إلى تنظيم ينتمي دون علمنا إلى التنظيم الدولي للإخوان المسلمين, في حين أننا نُشئنا في الحركة على السخرية من منهج الإخوان"الأخلاقوي"، وأقبلنا بنهم على كتابات المفكرين الشيعة الإيرانيين والعراقيين وغيرهم, بعد أن اقتنعنا بأن الخلاف بين أهل السنة والشيعة خلاف تاريخي مصطنع, كما كان يكتب الغنوشي في مجلة"المعرفة"، فأبهرتنا تلك الكتابات بمصطلحاتها الجديدة علينا, مثل المستكبرين والمستضعفين والاستكبار العالمي, ومناقشاتها المعمقة للماركسية والفلسفات السياسات الغربية, حيث لم نعرف من أهل السنة من تناول هذه المسائل بالعمق الذي وجدناه عندهم والاطلاع, وهذا تقصير لدى الكثير من سادتنا علماء أهل السنة المعاصرين، لا أعلم من عمل على تجاوزه غير الشيخ سفر الحوالي في كتابه"العلمانية", في حين رد أبو حامد الغزالي على فلاسفة عصره رد المتمكن العالم بمذاهبهم, وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية من بعده.
وكانت الحركة هي التي تروج بيننا هذه الكتابات وتشجعنا على قراءتها، خاصة أن الغنوشي قد وضع الخميني في مصاف مجددي القرن الثلاثة إلى جانب المودودي والبنا، ثم كان للسفارة الإيرانية دورها الكبير في مدنا بالنشريات والكتب, كما كان هناك دور لمجلة"المسلم المعاصر"، التي كانت تحسب على"اليسار الإسلامي"ويحذرنا الإخوة منها, قبل أن تدور الأيام وإذا بها قريبة من فكر حركة النهضة!
وكان هناك دور كبير لمكتبة الجديد, التي كان يملكها أحد عناصر"اليسار الإسلامي"، الذي يعد هو أول تيار روج لكتب"اليسار الإسلامي"في تونس وأساسا كتب حسن حنفي, وكذلك للكتابات الشيعية القريبة من فكرهم وخاصة لعلي شريعتي، الذي كانوا هم أول من انبهر به وروج له, وحتى أكون أمينا فقد حذرنا الغنوشي في أحد دروسه المسجدية من كتاب"الشهادة"لعلي شريعتي, الذي طعن فيه في أبي هريرة وافترى عليه, إلا أن ذلك التحذير لم يكن شيئا يذكر أمام تزكيته لكتب الشيعة وترويجه لها, فهل الخميني الذي لا يزال يصر على تسميته بالامام المجدد أفضل من شريعتي، فشريعتي على الأقل قد رفض ما كان يسميه بالتشيع الصفوي، وهو صاحب مصطلح"التشيع الصفوي"، ورفض الكثير من خزعبلات الشيعة الأمامية، التي اعتبرها تحريفات صفويةـ مثل كتاب"بحار الأنوار"للمجلسي, وهو الكتاب الذي طالما أثنى عليه الخميني, بل إن علي شريعتي كان متهما بالوهابية، بسبب رفضه للكثير من خزعبلات التشيع الصفوي.
* التيار الترابي في تونس ودخول العمل السياسي: