ثم كان الإعلان عن ميلاد حركة الاتجاه الإسلامي ودخول العمل السياسي في 6 حزيران ـ جوان 1981، وهو الإعلان الذي تحفظ عليه العديد من رموز الصحوة مثل الشيخ محمد الصالح النيفر رحمه الله، فالصحوة كانت يانعة لم تقف على رجليها بعد, وقياداتها ينقصها الكثير من العلم والتمرس, فكيف تقتحم بالجموع زخم العمل للسياسي مرة واحدة؟, وقد دأبت الحركة منذ إعلانها عن نفسها بإبراز تميزها عما كانت تسميه بالحركات الإسلامية المشرقية, وهو توجه ترابي بحت, لتبرير مخالفاته.
ثم جاءت محنة بداية الثمانينات، حيث سجنت قيادات الحركة من 1981 إلى 1984، لتخرج بعفو رئاسي بعد أن توجه أحد قادتها برسالة طلب عفو من رئيس الدولة, واستمر مسلسل"الاجتهادات الترابية"الجديدة وبدأ الترويج لكتب مالك بن نبي, بعد أن كان مهمشا بسبب غلبة التوجه الإخواني الذي كان يتحفظ عليه آنذاك.
* المكونات العقدية والفكرية لأتباع حركة النهضة:
ولفهم أعمق للتكوين العقدي و الفكري لحركة النهضة, لابد لنا من الرجوع إلى بحث كتبه الأستاذ الغنوشي ونشره"مركز دراسات الوحدة العربية"مع بحوث أخرى ألقيت في مؤتمر عقده المركز عن"الصحوة الإسلامية في الوطن العربي", ففي هذا البحث الذي حمل عنوان"حول مكونات الظاهرة الإسلامية في تونس"، يقول الغنوشي بأن هذه المكونات هي ثلاثة, وقد أسهمت مع بعضها في تكوين ذهنية أتباع الحركة, بعد أن تفاعلت:
1ـ التدين التقليدي التونسي: وهو المتمثل في عقيدة الأشعري وطريقة الجنيد السالك والمذهب المالكي.
2 ـ التدين السلفي الإخواني: موضحا أنه يعني الاهتمام بشمولية الإسلام, وبمسالة الحاكمية, ورفض القبورية والدعوة إلى الاجتهاد ورفض التعصب المذهبي.
3ـ التدين العقلاني: ويقول إنه المهيمن على الجناح الطالبي للحركة: ومن ميزات هذا التيار كما يرى، الإعلاء من شأن العقل, ونقد المنهج الاخواني وتجربته, والتفاعل الايجابي الكبير مع الثورة الإيرانية، والدعوة إلى التفاعل مع التجارب اليسارية في العالم ومع الفكر اليساري, وإلى إعادة الاعتبار للفرق التي أهملتها القراءة الرسمية السنية للتاريخ..
وأضيف بأن هذا المكون هو الذي هيمن على قيادة الحركة بعد تخرج الطلبة من الجامعة، باعتبار أن المثقفين هم من يقودونها في النهاية وليس التيار الشعبي الذي ظل في عمومه أقرب إلى المنهج الإخواني العام, أو ما يسميه الغنوشي بالتدين السلفي الإخواني, وهو ما نلمسه في أغلب العناصر غير المثقفة من أتباع النهضة في المهجر, أما في تونس اليوم فقد اختفت الحركة من الساحة الشعبية.... وعندما تقرأ لغالب النهضويين اليوم وإخوانهم من أنصار المدرسة الترابية الذين اختلفوا مع الغنوشي, وتركوا التنظيم, ولكن لم يتخلوا عن المنهج الترابي, تخال نفسك تقرأ لعلماني من العلمانيين, فلا تقرأ إلا عن الوطن وأوجاع الوطن والمجتمع المدني, بل لا أستغرب أن نقرأ لهم قريبا عن"أزمة الأغنية والموسيقى التونسية وسبل النهوض بها"!,"لأنه لا بد من الالتصاق بالجماهير وهموم الوطن والتخلي عن المثالية..."، ولم لا, فقد كنا معشر مناضلي ومناضلات الاتجاه الإسلامي نذهب أفواجا إلى مهرجان السينما في تونس لنشاهد الأفلام المشاركة في المسابقة، فنتفرج في اليوم الواحد على ثلاثة أفلام على الأقل, وكنا كالمجانين من قاعة سينمائية إلى أخرى, والكثير من تلك الأفلام كانت تحوي مشاهد مخلة بالآداب, ورغم أنني كنت أتساءل أحيانا بيني وبين نفسي عن شرعية ذلك, إلا أنني لم أكن قادرا على الإنكار, فهو التوجه العام للحركة التي أثق فيها ثقة عمياء, وأقول لنفسي إن الضرورة تبيح ذلك, وذلك حتى نتعلم النقد السينمائي, وتصبح لنا قدرة على إنتاج سينما إسلامية!
* الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي لحركة الاتجاه الإسلامي، والنزعة الاعتزالية الواضحة:
وخوفا من تفلت أكثر للحركة بسبب ضعفها العلمي وجرأتها على النصوص, ولتميزا عن اليسار الإسلامي الذي مضى أسرع من الحركة في التحلل من مصدر التلقي, وظل يستقطب من حين لآخر بعض شباب الحركة المتفوقين فكريا وسياسيا, كما حصل مع زياد كريشان وكمال بن يونس وعبد العزيز التميمي، الذين كانوا من ألمع قيادات"الاتجاه الإسلامي"في الجامعة, فقد رأت الحركة وضع ما سمته بـ"الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي لحركة الاتجاه الإسلامي", فكان أن كلفت د. عبد المجيد النجار, وهو المفكر الأزهري, بوضع تلك الرؤية، فصاغها على المنهج الترابي الذي اختاره تعزيزا لإعلاء منزلة العقل أمام النص، وتوسعا لما سماه بمنطقة الفراغ في الشريعة الإسلامية، التي اعترفت الحركة في نص وزعته لشرح تسميتها باسم"حركة الاتجاه الإسلامي"، بأنه مصطلح مستعار من محمد الباقر الصدر.