الحوار في مواجهة الصدام لقد افترض المفكرون الأميركيون أن العالم يشهد وسيشهد صداماً بين الحضارات. لكن هؤلاء الذين افترضوا الصدام وليس الحوار لم يكونوا ولن يكونوا بعيدين عن مراكز القرار السياسي. وأعتقد أن الحرب الأميركية التي شُنت على أفغانستان ومن ثم العراق لا تبتعد كثيراً عن الافتراضات التي رسمها برنارد لويس أو هنتنغنتون أو غيرهما. فهي في صلب التوجه الفكري الأميركي الذي ينطلق أساساً من توهم خطر إسلامي على التقدم الصناعي والتكنولوجي والاجتماعي الأميركي بشكل خاص والغربي بشكل عام.
وإذا انطلقنا ـ نحن العرب والمسلمين ـ نحو حوار مفترض فإلى أين سنتوجه ومن الطرف الذي نحاوره حتى نخلق حالة من الوفاق الإنساني حول أساسيات الحوار وموضوعياته.
إن الفكر الأميركي اليوم يسخر من طرح مفهوم الحوار فهو قد اقتنع بمنظومة فكرية واحدة وهي ترسيخ سيادة الفكر الواحد ـ القطب الواحد. الثقافة الواحدة الوحيدة. وما عدا ذلك لا يستحق كثيراً من التوقف. وعلى ذلك فإننا نعتقد أن طرح الحوار لن يصمد أمام طرح الصدام. فهناك شخصيتان متناقضتان في نظرة كل منهما للعالم أولاً وفي نظرة كل منهما لمفهوم الحضارة ذاته. وفي نظرة كل منهما لآلية الحوار وغاياته وأهدافه.
وأعتقد أن المنظومة الفكرية الأميركية ليست فوضوية أو انفعالية أو هي ردة فعل على حدث ما. إنما هي ممنهجة بشكل ذكي ومستندة إلى عدة أسس راسخة أهمها الجانب العقدي المعتمد على صهينة الفكر الديني الأميركي. وترسيخ مفهوم التفوق العرقي الانجلوساكسوني تماماً مثلما هو ترسيخ مفهوم شعب الله المختار لدى الجانب اليهودي الصهيوني.
فإذا كان الفكر الغربي ـ الذي ينقسم اليوم إلى قسمين ـ يعرف تمام المعرفة موقفه من العالم العربي الإسلامي فما هي آفاق معرفة هذا العالم العربي الإسلامي لنفسه؟ اليوم تظهر بوادر صراع بين الفكر الأميركي والفكر الغربي الأوروبي لكنه صراع لتثبيت وجود أقطاب دولية عدة. وليس لتغيير في البنى الفكرية والمواقف تجاه العقائد والثقافات والحضارات الأخرى. لأن الغرب بشكله العام ينظر إلى نفسه نفس النظرة التي ينظرها الأميركان والبريطانيون لأنفسهم.
الحوار: أهداف وأمنيات على الرغم من كل ما طرحناه من ملاحظات إلا أن لنا كطرف عربي إسلامي موقفاً محدداً تجاه مفهوم الحوار بشكله العام. فنحن بالمحصلة مع هذا المفهوم كمبدأ أولي. لكننا في الوقت نفسه نفترض احتمالات عدة معاكسة للحوار. أي احتمالات الصدام والتناقض أو التصارع.
فماذا لو فرض علينا الصدام؟ أنرفع أيدينا مستسلمين أم أننا نعيد النظر في قوتنا الذاتية ونحصن أنفسنا لندفع عن هويتنا الخطر وعن شخصيتنا التشويه؟
ومع كل ذلك نرى أن الحوار الذي هو من طبيعتنا الدينية والاجتماعية والنفسية يعتبر أحد أهدافنا. وهو بطبيعته يدخل ضمن دائرة الدعوة الكبرى حتى يتعرف الآخر على إسلامنا وانفتاحنا وعدم تعصبنا وتسامحنا وسعينا نحو سعادة البشرية. وليس غريباً أن يكون الحوار في هذه الظروف بالذات أُمنية من الأمنيات إذا كان من ورائه الاحترام المتبادل المتساوي. وإذا كان من ورائه تجسيد القيم السامية والأمن والاستقرار ورفع الظلم وتحقيق العدالة بين مجموع البشر.
طبيعي أن الحوار تواصل. وهذا العالم اليوم صنع من وسائل التواصل ما عجز عنه الأقدمون حتى باتت الكرة الأرضية قرية يعرف كل سكانها مواقع بعضهم وميولهم وعقائدهم ولكن يبدو أننا في مخاض عسير إلى حد ما. فالحوار الحضاري الذي نهدف إليه ونتمناه يراه الطرف الآخر سراباً أو وهماً، ويسعى الآخر لإلغائه كمفهوم قبل إلغائه كآلية.
إن مصلحة العالم اليوم تتطلب حواراً على مستوى العقائد والأفكار والسلوكيات الإنسانية ولعل هناك الكثير من القواسم المشتركة بين الشعوب التي تُجاذب البشر ولا تُنافرهم لكن أطرافاً ترى أن مصلحتها ومصلحة وجودها تكمن في إلغاء أي تقارب بشري أو أي حوار. فهي كالطفيليات التي لا تحيا إلا على امتصاص الأجسام السليمة والفتك فيها. فالذي يضيرها أنها انبنت أساساً على تلفيقات وخيالات عقائدية تنظر لمجموع البشر نظرة الريبة والشك والاحتقار. وانبنت ثانياً على فلسفة عنصرية مقيتة.
وأعتقد أن أكبر عقبة في طريق الحوار الإنساني هي تلك الحركة الصهيونية ومفرزاتها وأعتقد أيضاً أن هذه العقبة ستبقى قائمة وسيبقى الصدام الإنساني قائما. وإذا كانت المجتمعات الإنسانية حريصة على الحوار فعليها واجب كبير وهو إزالة هذه العقبة من طريق الحوار. والسعي لخلاص البشرية من آثارها ومفرزاتها.