فهرس الكتاب

الصفحة 24480 من 27364

لكن خوضها الحرب الأخيرة ، في أفغانستان جاء خاليًا من الادعاءات القيمية والمفاهيمية تمامًا ، فلم نسمع سوى ادعاءات بالدفاع عن النفس والاعتداد بالقدرة العسكرية الهائلة كما لم يجر الاهتمام حتى بتقديم مجرد دليل ثبوتى واحد على حركة طالبان أو القاعدة - ولو كان حتى مفبركًا - لتأكيد تورطهما في أحداث 11 سبتمبر ، وحينما حاولت الإدارة الأمريكية تقديم رؤية قيمية لخوض هذه الحرب جاءت"القيم"التي طرحها الساسة والعسكريون قيما عنصرية وعدوانية - حرب صليبية - الحضارة الإسلامية همجية - دول محور الشر - حرب مقدسة .

وطرحت صياغات سياسية فاشية مثل"من ليس معنا فهو ضدنا".. إن العودة إلى التصريحات الأمريكية في تلك الفترة يظهر هذه الحالة .. لم تطرح الولايات المتحدة سوى لغة القوة والبطش والإرهاب ، الأمر الذي أثار إشكاليات خطيرة في صورة الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي بشكل خاص .

ولهذا كله جاء البيان الأمريكي محاولة لمعالجة هذه الثغرة وإدراكًا من أصحاب فكرته بأنه لا يمكن بناء إمبراطورية عالمية استنادًا إلى فكرة القوة العسكرية الفاشية أو فكرة إخافة الآخرين من القوة الباطشة وحدها .. ولذلك أيضًا عنون أصحاب البيان بيانهم بشكل يعوذه حتى ذكاء المواربة القيمية فجاء تحت عنوان"على أي أساس نقاتل".. ومن ثم فإن من يتابع البيان وما ورد فيه سيجدها بالدقة لغة خطاب تبريرية للحرب الراهنة .. أو هي إكمال - بأثر رجعي - للحرب التي أعلنت دون مبررات قيمية أو أخلاقية .. بل يمكن القول دون افتئات على الحقيقة أنه محاولة لإلباس تصريحات بوش ورامسفيلد لغة القيم والمفاهيم .

هذا الأمر حاسم في فهم ما ورد في هذا البيان وعلى من يريد اختبار هذه الفكرة جيدًا أن يقرأ الخطاب الصهيوني في الحرب العدوانية العسكرية الغاشمة ضد الشعب الفلسطيني - خاصة من قبل شارون ونتنياهو - وأن يعيد تركيب البيان باعتباره صادرًا من مثقفين صهاينة .. ساعتها سيدرك الأبعاد والدوافع لصدور البيان كتبرير دعائي في شكل قيمي أو باعتباره تنظيرا للعمل الحربي .

"الأزمة الأخطر"

لقد حدث المأزق الأمريكي المشار إليه سابقًا في ظرف كانت الولايات المتحدة في أشد الحالات حاجة لضرورة تقديم نفسها كنموذج حضاري - أي بقوة النموذج لا نموذج القوة - في ظل أطروحات"نهاية التاريخ"- التي قدمت رؤية تنظيرية لانتصار القيم والمفاهيم الغربية على جميع القيم والثقافات الأخرى - ومفهوم صراع الحضارات الذي يقدم تنظيرا لشكل الصراع المفاهيمى والقيمي والعقائدي في هذه المرحلة من حياة البشرية وأخيرا في ظل طرح مفهوم العولمة القائم على سيطرة الحضارة الغربية ومفاهيمها .

هذا الأمر تحديدا يمثل دافعا آخر خلف ظهور البيان الأمريكي ونشره في أوروبا تحديدًا وليس أمريكا - ثمة سبب آخر لذلك هو أن المجتمع الأمريكي ليس مستعدا لتلقى مثل هذه المفاهيم بعدما حدث من تراجع في الحريات السياسية والدستورية والقضائية بعدما جرى من اضطهاد عنصري داخلي بعد الأحداث - ذلك أن المأزق الأمريكي لم يعد واضحًا فقط أمام العرب والمسلمين فقط بل أمام المفكرين والرأي العام الغربي كذلك وقد تصاعدت مؤشرات تلك الحالة في إبعاد الولايات المتحدة من المنظمة الدولية لحقوق الإنسان بتصويت أوروبي ، وما حدث في مؤتمر ديربان بجنوب أفريقيا ، وفى المظاهرات المتصاعدة عددا وحدة في أوروبا تحديدا ضد العولمة الأمريكية للعالم. إن الولايات المتحدة تدرك أنها تعاني من مأزق أمام الرأي العام الغربي وليس فقط أمام الرأي العام العربي والإسلامي فقط حيث ينظر الغربيون للحضارة الأمريكية باعتبارها حضارة بلا قيم مقارنة بالحضارة الغربية"العتيقة"في أوروبا.

لقد ارتبط الإنتاج الحضاري المصدر للعالم من قبل الولايات المتحدة

بأمرين: الأول: المنتج الاستهلاكي السريع.

والثاني: العنف والسلاح.

فالعالم يعرف الحضارة الأمريكية من خلال البيبسي والكوكاكولا واللبان والشكولاته والهامبورجر والبيتيزاهوت .. ومن خلال أفلام العنف والرعب والجنس .

أما الجانب الثاني للدعاية الأمريكية والمشكل لصورتها في الخارج فهو الجانب التقني في مجال السلاح .. المواطنون يعرفون أمريكا بالفانتوم والشبح والـ ب52 وصواريخ كروز وتوماهوك .

والبيان في واقع الحال يحاول - في هذه اللحظة بالذات -تقديم الصورة الأمريكية للعالم من منظور قيمي .

نخلص للقول - في هذه العجالة - إلى ضرورة النظر للبيان الأمريكي من زاوية الدوافع والأهداف بالنظر لظروف إصداره لا من خلال محتواه فقط . يجب النظر إليه من زاوية المأزق الذي أصبحت فيه الحضارة الأمريكية من زاوية صورتها الخارجية .

لقد انكشف زيف كل الادعاءات التي ساقتها الدعاية الأمريكية من قبل وهى أحد أهم مؤشرات التراجع الأمريكي في العالم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت