فهرس الكتاب

الصفحة 6521 من 27364

لقد تدخلت الآلة العسكرية الثقيلة ثلاث مرات على مدى سبعة عقود كلما شعرت أن «مبادىء أتاتورك» ومشروع العلمنة التركي في خطر: حدث هذا عام 1960 م حينما أعدم العسكر الهمج «عدنان مندريس» الذي كانت جريمته عودة الأذان باللغة العربية بعد أن حُرم المسلمون من صوت «الله أكبر» لأربعين عاماً ثم ما لبثوا أن خرجوا من ثكناتهم مرة أخرى عام 1971 م بعد أن تعرض حزب الشعب الذي أسسه «أتاتورك» لنكسة انتخابية ، أما في انقلاب «كنعان أفرين» الأخير عام 1980 م ، فالسبب كان أكثر إلحاحاً ، بعد أن جاءت تحركات شعبية بالهوية الإسلامية وأعادتها إلى الواجهة والمناقشة ، وهو أمر يرفضه العسكر الأتراك الذين يشكلون العصا الغليظة لحزب الناتو «الأطلسي» ، الذي يصر على تخلي تركيا عن إسلامها مقابل أن يقوم الجيش التركي «بالواجب» الملقى على عاتقه ، وهو حماية البوابة الشرقية والجنوبية لدول أوروبا النصرانية.

الغرب وتركيا العلمانية:

إن دول أوروبا إضافة إلى الولايات المتحدة ، ينظرون إلى تركيا العلمانية نظرة صغار واحتقار ، فبالرغم من الطرق المستمر لباب السوق الأوربية المشتركة ظل الباب مغلقاً أمام تركيا، التي تريد أن تكافأ على خدماتها وانضباطها العلماني وسلخها لهويتها الإسلامية، كما ظل الغرب ينظر إلى الجمهورية الأتاتوركية على أنها نموذج «جيد» يستحق الاستنساخ في بقية المناطق العربية والإسلامية ، فهذه الملايين السبعين تعيش منذ تفجير المشروع العلماني دون هوية أو هدف أو رسالة ، بعد أن كانت هذه الأمة قبل قرنين تهدد قلب أوروبا وهي تحمل شيئاً من روح العزة الإسلامية ، وهذا العملاق الأناضولي قد تم استئناسه بطريقة عبقرية جعلته مسخاً لا هو بالمسلم الشرقي المعتز بأصوله ، ولا هو بالعلماني الأوروبي المفتخر بانتسابه إلى نادي أوروبا النصراني والمسمى بالسوق الأوربية المشتركة. وما أقسى أن يعيش الإنسان دون هوية ، وما أفظع أن تكون الأمة بلا نسب أو حدود... ، ولابد هنا أن تمر الأمة بمرحلة البحث عن الذات والعودة إلى الأصول ، وهذه مرحلة انتقالية تمر بها أي أمة وهي تبحث عن هويتها ، وخلال عملية البحث تبرز المفارقات وتفرض المسلمات نفسها لاسيما بعد أن تأخذ التجربة أي تجربة مداها وزمنها والمساحة التي لابد بعدها من التوقف للتفكير ، وإعادة طرح الأسئلة البدهية التي غيبت عن هذه الشعوب بقوة الحديد والنار ، أو بوعود الرفاه الاقتصادي والتقدم الاجتماعي الذي كان أشبه ما يكون بالسراب الذي يحسبه الظمآن ماءً. صحيفة «الوول ستريت جرنال» الأمريكية كتبت عن أزمة الهوية هذه بعد بروز نتائج الانتخابات التركية قائلة: «يمكن القول بكلمات قليلة إن تركيا تمر الآن في مرحلة انتقالية غير أن هذا الانتقال يحدث وسط فراغ أيديولوجي يتعين على البلاد من خلاله أن تحدد هويتها في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة.

والواقع أن هذا الفراغ ، الذي زادت من حدته الأزمة الاقتصادية العميقة والحرب الشاقة ضد الأكراد ، هو الذي دفع الأتراك نحو الإسلام لتحديد الاتجاه.

ومن الواضح أن أزمة الهوية هذه كانت تتفاعل منذ وقت طويل، ذلك أن أيديولوجية تركيا المشتقة من تصميم «أتاتورك» على تحويل خرائب الامبراطورية العثمانية إلى بلد عصري على النمط الغربي ، غير قادرة في حقيقة الأمر على توفير الإجابات لعدد كبير من الأسئلة التي تواجه الأتراك اليوم.

إذ بعكس الماركسية والديمقراطية الليبرالية ، لا تملك «الكمالية» الأيديولوجية الشاملة التي تفسر المجتمع والتاريخ ، وهي ليست نظاماً أخلاقياً اجتماعياً في شكل ديانة تقليدية ، كما أن ظهورها وهيمنتها خلال القرن الماضي حرم المجتمع التركي من الجذور الأخلاقية والاجتماعية التي يوفرها الإسلام وتجعل الناس يشعرون بالأمان.

لقد كان إنجاز «الكمالية» الرئيس هو تثبيت وتعزيز القومية التركية ، لكن ما إن ضربت القومية التركية جذورها في المجتمع حتى فقدت سبب وجودها ، هذا ما قاله الكاتب «ديليب هيرو «في كتابه الأخير الذي تناول فيه تركيا وآسيا الوسطى.

ومما لا شك فيه أن الإسلام يوفر الحل بالنسبة للكثيرين من الأتراك ، ففي كل سنة يتدفق مئات الآلاف من المهاجرين المتدينين غير المثقفين من منطقة الأناضول إلى الضواحي الفقيرة في أنقرة واسطنبول، ولعدم استعداد هؤلاء لفهم متع الحياة في اسطنبول ، ولذهولهم من الفساد المستشري في كل مكان ، يتحول معظم هؤلاء المهاجرين إلى حزب الرفاه ، بأمل أن يقيهم من السقوط الأخلاقي».

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت