فهرس الكتاب

الصفحة 6522 من 27364

إن ما شهدته تركيا تشهده بقية بقاع العالم الإسلامي ، فهذا البعث الإسلامي أصبح هو الرقم الصعب والعامل المشترك لأي أمل قائم للخروج من نفق الواقع الملبد بالإحباط والتدهور ، إن انتخابات تركيا أكدت أن الصحوة الإسلامية تعيش حالة تشبه الظاهرة الفيزيائية المعروفة بظاهرة الأواني المستطرقة ، فأنت حينما تضع مجموعة من الأواني المختلفة الحجم والشكل وتربط بينها بقاعدة مفتوحة ومشتركة، تجد أن الماء المصبوب في آنية منها ينعكس تلقائياً على مستوى المياه في الأواني الأخرى، وهكذا فالحالة الإسلامية اليوم تشبه مجموعة الأواني المستطرقة التي تستفيد من كل قطرة ماء تسكب في قالب مع اختلاف نوعي بين القوالب، نصر المسلمين في تركيا ينعكس على الحالة المعنوية لدعاة الإسلام في أندونيسيا ، وارتفاع راية الإسلام في أقصى طاجيكستان تحس بإيجابيته شوارع سارييفو ، والخلاصة أن عودة المسلمين إلى جذورهم في بلد الخلافة الإسلامية يعطي أملاً للعاملين من أجل الإسلام. إن أعتى وأبشع النماذج العلمانية بدأ يتحول إلى خندق الدفاع ، بعد أن ظل يطارد أهل الإيمان من مواقع الهجوم ملوحاً بالرخاء والتقدم والاندماج مع الغرب المنتصر والمحارب لهذه الأمة ، لاسيما بعد غروب شمس دولة الخلافة.

التحدي لا يزال ضخماً:

بالرغم من النتائج المفرحة لأداء حزب الرفاه التركي في الانتخابات، فإن بصمات العلمانية المنفرة لاتزال ملموسة على كافة الأصعدة، في الوقت الذي يظل اليسار الملحد واليمين الأمريكي يحظى بثقل وتأثير على الساحة السياسية والاجتماعية في تركيا ، وأمام هذا التحدي تبرز نقاط لابد من التوقف أمامها:

* أمام حزب الرفاه تحد عقدي يتمثل في قرون طويلة من التصوف والخرافة التي تسللت إلى الحياة التعبدية لقواعد واسعة من الحزب ، كما يشكو الحزب من جانب آخر من ضعف في الجانب الفكري والتجديد في طروحاته العقدية ، وما يتفرع عنها من مواقف سياسية واقتصادية واجتماعية ، وفي الوقت الذي يعتبر فيه الحزب صاحب صوت ضخم حالياً ، فإن هذا الصوت بحاجة إلى حنجرة قوية وفكر متجدد ودورة دموية نشطة تساعده على تكوين قاعدة صلبة تجمع الرموز الإسلامية في تركيا على منهجية واضحة ، ولابأس أن يبدأ الحزب بالاهتمام بهذا الجانب من الآن، خصوصاً أن في تجربته بعداً عن الحزبية الضيقة التي جعلته متعاطفاً مع قطاع عريض من الحركات الإسلامية.

إن التحدي القائم أمام الإسلاميين في تركيا أكبر من حجم المنافسة السياسية ، إنه تحد حضاري شامل ، وما لم يكن الشمول المتسلح بمنهجية سليمة حاضراً ، فإن دور الحزب سيظل جزئياً ، كما أن تكوينه العقدي والمنهجي سيظلان نقطتي ضعف واضحتين.

* أمام الرفاه تربص من قبل أحزاب الإلحاد والعلمانية والقومية المتطرفة كما أن العلمانية التركية تتمثل في شخصيات ورموز ومؤسسات تعيش على الإرهاب العلماني القائم ، هذه الأحزاب والشخصيات ستركز على البلديات التي يحكمها الإسلاميون ، وستتجنى في الحكم عليها ، وستضخم أخطاءها وستحاربها بالشائعات والقصص المختلفة ، وهذا ما يحتم على الحزب اليقظة والحذر وممارسة أساليب النقد الذاتي ، فالعلمانية التركية تظل أقدم تجارب العلمنة تاريخاً وجذوراً إذا ما قورنت بالتجارب العلمانية الأخرى في عالمنا الإسلامي.

* أما أكبر الدروس التي نخرج بها، فهي قوة هذا الدين الذاتية التي صمدت وتصمد أمام أعتى الحروب وأقسى المواقف والظروف ، ويوماً بعد يوم يصلب عود هذه الأمة وتعود إلى نبعها الصافي ، وحين نقارن بضعف الجهود وكثرة الأخطاء وقلة ذات اليد ، فإننا لابد أن نخرج بمُسَلّمَة تصرخ وتقول: إن هذا الأمر هو أمر الله ، وإن ضعف الداعي، وحورب المبلغ ، وتكالب العدو.

* هناك المؤسسة العسكرية التي صرح مسؤول المخابرات فيها بُعيد ظهور النتائج: أنها ستتدخل في أي ظرف تشعر أن مبادىء «أتاتورك» مهددة أو أن العلمنة تتعرض للخطر ، هذا التصريح أمامنا تتناقله وسائل الإعلام ، وبين أيدينا تاريخ العسكر الطورانيين يؤكد انحياز العلمنة إلى التسلط وفرض خياراتها بالقوة أو الديموقراطية التي توافق مكاييلهم.

* الصحافة التركية وكر من أوكار الملاحدة والعلمانيين، مارست وتمارس التحرش بالإسلام وأهله، كما أن قنوات الإفساد التي تنتشر في تركيا وبتشجيع من أهل الفساد والإضلال ستزيد من نشاطاتها ، مما يحتم بروز قنوات إعلامية ملتزمة بالدفاع عن المشروع والهوية الإسلامية في تركيا.

* النزاع العرقي كشف أن الأكراد وغيرهم من الأقليات المسلمة المضهدة قد أعطت صوتها لحزب الرفاه،لأنه دعا إلى رفع الاضطهاد الطوراني عنها ووعدها بعدل الإسلام وسماحته، والمطلوب الأن أكبر من شعار حيث إن انتشار الدعوة بين هذه الأقليات وتعريفها بكينونتها الإسلامية وهويتها ، أمر مطلوب بل بالغ الأهمية في هذه المرحلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت