(ستالين) قائل تلك الخطبة هو ذاته من نفى شعب الشيشان والأنغوش بأكمله إلى أواسط سيبيريا لمدة تزيد عن خمسة عشر عاماً، هلك غالبيتهم في رحلة الضنك والعذاب، و قتل وشرد ونكل بالآلاف من مسلمي التتر ، وفعل فيهم الأعاجيب، بعد أن كان يخطب ودهم ورضاهم !
ألم يكن (أتاتورك) يرتدي العمامة ، ويلبس السبحة ، ويقرأ القرآن ، ويطوف على الجماهير ، يستثير حماستهم ، ويعبئهم لحربه مع اليونان ، ويعتبر انتصار اليونان على تركيا هزيمة للإسلام ، وإبطالا للقرآن ، وامتدادا للاستعمار ... إلى درجة صدّق بها السلطان (عبدالحميد الثاني) مهازل (أتاتورك) ودعا الله أن يتقبل أعماله! رغم إعلانه لمخططاته الهدامة في مجالسه الخاصة، كما يقول عنه مستشاره (مفيد كانصو) في مذكراته.
وذاك الزعيم المناضل صاحب الثورة ومنظرها، من كانت ترفع له هتافات التلبية من الخليج الثائر إلى المحيط الهادر، ألم يتمسح في بداية الطلب بالزهد والورع، وينضوي تحت شعار ( وأعدوا) ، ويصنع تحت الأعين ،ويقدم على أنه المخلص والمنقذ ... بل والمجدد!، فكانت أول ضحاياه - بعد التسود - من احتضنه وعلمه وبرزه !
إن الدراما واحدة ، ولكن الأدوار ومنفذيها تغيروا ، ولم يصبح التمسح بالدين والتقنع به ذريعة سياسية قائمة على (الغاية تبرر الوسيلة) فحسب، بل تجاوز ذلك - في زمننا هذا - إلى الذرائع الاجتماعية والفكرية، فكثر أدعياء وصال ليلى التي لا ناقة لها ولا جمل ولا حيلة لتقر الوصال من عدمه!
إن النموذج الأتاتوركي، لم ينتهِ بموت (أتاتورك) ولم ينقضِ برحيله ، فلئن عاش في تلك الحقبة (أتاتورك) واحد، ففي عصرنا هذا يعيش عشرات الأتاتوركيين المتلبسين بمسوحه، والمستنسخين فكره، والداعين إلى منهجه... وما جنرالات تركيا منا ببعيد.
والتشكل الحالي للمستنسخات الأتاتوركية يتجاوز البراجماتية الذرائعية، والتمسكن حتى التمكن ؛ ليشمل دائرة أوسع، يمارس عبرها تقنين لأدوار المصلحين ورسمها واختزالها في مشاريع ثانوية تحت مسميات ( التوازن الاجتماعي) و (تداول النخب) ، في مقابل فرص رئيسة قيادية تمنح لمن سواهم تحت المسمى نفسه!
فضلاً عن هدنة المغازلة بعد التقريع، وإحياء منهج المراجعات اليومية، واحتكار الأعمال والمشاريع تحت محددات معينة، بينما الحقيقة هي: العمل بقانون الغاب ( البقاء للأقوى) .
إن مراغمة الباطل وأهله لا تحتاج إلى لطم خدود أو شق جيوب، وبكاء ونوح .. وليست بمعركة ذات فهم حربي - فحسب- إنما هي مراغمة شمولية تحتاج إلى مشاريع جهادية ومدنية وحضارية متنوعة، تحتوي الطاقات وتبرّزها وفق الهدف المنشود والمراد، وتنتشل عامة الناس من أحادية العمل المؤسسي التغريبي إلى ميادين النهضة بالأمة الإسلامية، وهذا ما رأيناه جليا في المشاريع التي قدمتها الحركات الإسلامية في تركيا - كحزب الرفاه مثلاً -، وساهمت في صحوة المجتمع واحتوائه، وعمقت الكراهية للأتاتوركية بكافة أشكالها.
وأخيرًا أقول: لست في هذا المقام أدعو إلى جعل سوء الظن واتهام النيات مطية ترتحل، ولكن لابد من التأني في إصدار العموميات، وألا يجعلنا حال الأمة العلقمي نمارس النفخ والتطبيل لكل شاردة تظهر، أو واردة تلوح، فينطلي علينا ما انطلى على سابقينا.. ورحم الله الإمام الشافعي حين قال: (إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، أو يطير في الهواء، فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة) .
* مدير تحرير موقع الإسلام اليوم