إن الخطأ في فهم الواقع ومعرفة الذات هو الذي جعل النهضة غير ممكنة، ويمكن أن نضرب مثلاً على ذلك بالحكم الذي شاع منذ مطلع القرن العشرين في معظم الدول العربية، وهو القول: بأن الشعوب الموجودة من المحيط إلى الخليج شكّلت الأمّة العربية، والمقصود أمّة عربية بالمعنى القومي، أي أنها أمّة شكّل عنصري اللغة والتاريخ ثقافتها وعاداتها وتقاليدها وأخلاقها وقيمها ومشاعرها ونفسيّتها الخ...، لذلك عندما جاءت الدولة القومية واستهدفت بناء نهضة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعمرانية والحضارية والتربوية والفنية لم تلتفت إلى دور الدين في بناء هذا الواقع، بل نظرت إلى الدين على أنه معوّق للتقدّم والبناء، كما كان دوره في الغرب، لذلك لابدّ من العمل على استئصال وجوده من حياة الناس، وفي أحسن الأحوال لابدّ من تهميش دوره، لهذا لم تتحقّق النهضة بل كان هناك سقوط في مختلف المجالات وأحد الأسباب الرئيسة في ذلك هو عدم الانطلاق من الواقع وعدم تمحيص الهوية وعناصر قيامها.
إن الممارسات التي قامت بها قيادات الفكر القومي العربي في مواجهة الدين خلال القرن العشرين، وفي محاولة استئصاله من كيان الأمّة وبخاصّة عندما ارتبط الفكر القومي العربي بالاشتراكية المادية، كانت من أصعب السنوات في حياة الأمّة، وسبّبت ضعفاً في الأمّة خلال قرن أشدّ من كل الضعف الذي عرفته خلال القرون السابقة جميعها، ويدّل على ذلك نكبة عام 1948م ثم نكسة عام 1967م، لكن الأمّة استطاعت بفضل الله ثم بفضل الحيويّة الكامنة في جسمها أن تتجاوز محاولات الاستئصال تلك، وتتغلّب عليها فكانت الصحوة الإسلامية التي استلمت قيادة الأمّة، وأعادت للدين وضعه الطبيعي ومكانته المطلوبة.
ويلحظ المتابع لأوضاع المنطقة في الفترة الأخيرة أن هناك توجّهاً إلى حلّ مشاكل المنطقة بتطبيق الديموقراطية، ويُلحظ كذلك أن المتوجهين إلى تطبيق الديمقراطية ربما يقعون في الخطأ الذي وقع فيه السابقون وهو عدم الانطلاق من الواقع مما سيؤدّي بنا إلى سقوط آخر، وخسارة جديدة نحن في غنى عنها، لذلك يجب أن يكون أول درس نستفيده من التجارب السابقة هو أن نعي واقعنا، ونحترم العوامل التي تشكّله، فهذا هو الأساس الأول للنهضة