ومدرسة المعلمين العليا بكل ما قدمت من [خدمات] عاجزة بطبيعة تكوينها عن أداء هذه المهمة الخطيرة. إنما الذي يقدر على ذلك هو الجامعة.
ومن هنا كانت الجامعة محددة الأهداف- عند مخططيها- من أول لحظة.
ولقد فرح الناس بها فرحا شديدا عند مولدها، وأقبل الشباب عليها بلهفة وتشوق، لأنها- في ظاهرها- كانت خطوة تعليمية وثقافية ضخمة، سدت ثغرة كانت موجودة في الحياة المصرية، بعد تجمد الأزهر، وانصراف الناس عنه، والعزلة التي فرضها عليه دنلوب.. ثم لأمر آخر كان يخالج تلك النفوس ويزيد من فرحتها: لقد صرنا الآن مثل أوربا.. صارت لدينا جامعة!
•…• ولم يكن كثيرون يتوقعون أن تصبح الجامعة منبرا لمهاجمة الإسلام، ولتخريج شباب يستخفون علانية بكل القيم الدينية، يستخفهم الغرور العلمي- أو الجهلي!- متكئين إلى أنهم [خريجوا الجامعة] أي [الطراز] الحديث!- فليس! لأحد أن يتصدى لهم أو يناقشهم أو يخطئهم.. وإلا فهو جاهل رجعي متخلف.. فهنا- في الجامعة- وهنا فقط، يوجد العلم الحق، والأفق الواسع، والفكر المتحرر، والنظرة التقدمية، والروح العلمية، وإرادة الحياة الحرة.. وفي كل مكان آخر- أيا يكن ذلك المكان- توجد الرجعية والجمود والتأخر، والعفن المنتن الذي خلفته عصور الانحطاط، والجهل الفاضح الذي يعيش في الظلمات، غير منفتح على تيار الحياة الحي.. ويكفي أهله سوءا وجهالة وتخلفا أنهم لا يعرفون [لغة أجنبية] !.
ولعل الناس فوجئوا- في أول الأمر- بالمستشرقين الذين يقدحون في الإسلام، ويشوهون صورته، ويهاجمونه جهرة، أساتذة في كلية الآداب يدرسون أفكارهم للطلاب، تحت إشراف طه حسين [عميد الأدب العربي] ورئيس قسم اللغة العربية يومئذ، ومن بينهم المستشرق اليهودي [مرجوليوث] الذي كان يقول: إن محمدا r مجهول النسب! فقد كانت العرب تطلق على من لا تعرف نسبه اسم عبد الله، ومن ثم فمحمد بن عبد ا صلى الله عليه وسلم هو ابن رجل مجهول النسب! وهي فرية لم يقلها أحد غيره من المستشرقين!.
•…• ولعلهم فوجئوا بطه حسين الذي قال في كتاب [الشعر الجاهلي] : لا للتوراة والإنجيل أن يحدثانا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما كذلك، ولكن هذا وذاك لا يثبت لهما وجوداً تاريخياً )) يصبح في مكان الصدارة في الجامعة الجديدة، ثم يقول في فترة لاحقة، في كتابه [مستقبل الثقافية في مصر] : إن مصر لم تكن قط جزءا من الشرق، وإنما كانت دائما جزءا من حوض البحر الأبيض المتوسط، وكل ما جاءها من الخير جاءها من حوض البحر الأبيض المتوسط، وكل ما جاءها من الشر جاءها من الشرق. ولعلهم فوجئوا بمن يقول: إن قصص القرآن الكريم قصص (( فني ) ).. يعني لا يتحدث عن حقائق تاريخية وأشخاص حقيقيين.. إنما هي قصص فنية، مبتدعة من الخيال لأغراض فنية!.
وفوجئوا.. وفوجئوا.. وفوجئوا.. وثارت ثائرة من ثار منهم.. ولكنها ثورة أضعف من أن تغير شيئا من الواقع. ومضى الواقع الجديد يثبت أركانه، يمد له المخططون من وراء الستار، وتتبلد عليه مشاعر الناس.. حتى جاء الوقت الذي أصبح [الناس] هم أنفسهم خريجي الجامعة (أو الجامعات فيما بعد) .. فتجانست الأفكار والتصورات والدوافع وأنماط السلوك! ولم يعد شيء مما يجري في الجامعات يثير ما يسمى [الرأي العام] !
وإذا كانت كلية الآداب بالذات قد خصصت [لتفريخ] مثل هذه الأفكار والتصورات، وتخريج [مفكرين أحرار] يقومون [بواجبهم] في إزالة [العفن] و [النتن] من الأفكار والعقول، ليضعوا بدلا منها المفاهيم الغريبة عن الدين والأخلاق والتقاليد، ولينشئوا مجتمعا جديدا على هدى المخططين الذين يخططون من وراء الستار، قد تحرر أبناؤه وبناته وصاروا [طلقاء] يفعلون بالدين ما يراد منهم..
•…• فإن كلية الحقوق قد أنشئت لتخريج أجيال تدعو إلى القانون الوضعي- لأنه تخصصها الذي ربيت عليه، ولم تعلم غيره، فمن الطبيعي أن تتعصب له، وتعادي كل شيء غيره- وتبعد عن الأذهان نهائيا قضية تحكيم شريعة الله، لأنها غير واردة في أذهانهم أصلا.. ومن هؤلاء يكون رجال السياسة ورجال الحكم، والأسماء البارزة اللامعة في المجال الاجتماعي.
•…• أما الكليات العملية فهي تخرج الفنيين من أطباء ومهندسين وزراعيين وغيرهم.. ولكنها تخرجهم على الطريقة الغربية البحتة، أي [علمانيين] لا يطيقون الحديث في أمور الدين- فضلا عن أن يتدينوا هم أنفسهم- لأنهم طلاب [علم] والدين خرافة، ولأنهم [واقعيون] والدين أساطير، ولأنهم [عقول مفكرة] لا ينبغي لها أن تتدنى إلى مستوى العوام الذين لم يطلعوا على [الحقائق العلمية] . وفضلا عن ذلك فإنهم أيتميزون، عن أمثالهم من أ العلمانيين، في الغرب، بكونهم يحتقرون لغة بلادهم، لأنها لغة متخلفة لا تصلح للعلم، ويتحدثون- من ثم- بلغة السادة المتحضرين، ويرفضون أن ينظروا في أي كلام مكتوب بالعربية، لأن العربية أصلا هي لغة الجمود والتخلف، ولو كافي المكتوب بالعربية هو القرآن.. بل إن هذا الكتاب بالذات هو أشد ما ينفرون من قراءته أو النظر إليه!