لقد كان الانقسام أهم ما طبع المواقف الأوروبية خلال العدوان الإسرائيلي، فالبعض كان يفضل السير خلف الخطوات الأمريكية خشية إزعاج واشنطن، أو رغبة في إيجاد مكان في القطار الأمريكي في حال ما انتهت الحرب بما يرضي إدارة جورج بوش والمحافظين الجدد، فيما كان البعض الآخر ـ مثل فرنسا ـ يرى أن الحرب مناسبة لتعديل بعض التوازنات القائمة في المنطقة، ومن تم ركز اهتمامه على الحصول على موطئ قدم له في منطقة تتبدل تضاريسها السياسية. وانعكس هذا الانقسام بشكل كبير في مؤتمر روما والبيان الختامي الصادر في أعقابه، والذي عكس في الواقع الرؤية الأمريكية للصراع التي أرادت من خلاله واشنطن توفير غطاء سياسي وديبلوماسي للعدوان الإسرائيلي. لكن اجتماع وزراء الخارجية الأوروبي الذي انعقد مباشرة إثر مجزرة قانا الوحشية كشف ما هو أكثر من ذلك، فقد حصل اختلاف في المواقف بين البلدان الخمسة والعشرين بخصوص البيان الختامي والكلمات التي يجب استخدامها، وتلك التي ينبغي تجنبها؛ إذ إن المسودة الأولى من البيان التي صاغتها الرئاسة الفنلندية كانت تدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار من أجل تجنب استهداف المدنيين الذي اعتبرته الوثيقة"خرقاً خطيراً"للقوانين الإنسانية، لكن هذه الصيغة أثارت حفيظة كل من بريطانيا التي لم يناقض رئيس وزرائها سياسته القاضية باتباع خطوات الرئيس الأمريكي جورج بوش، كما ظهر ذلك خلال وبعد الحرب على العراق، وألمانيا التي جاء موقفها غريباً، هي التي حرصت في السابق على عهد المستشار هرغارت شرودر على توثيق التحالف مع فرنسا، وانضافت إلى الموقفين البريطاني والألماني مواقف بولونيا والدانمارك والتشيك، فجاءت الصيغة الأخيرة للبيان الذي جرى تعميمه تدعو إلى وقف استهداف المدنيين"من الجانبين"، بما يعني المساواة بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية، وتدين حزب الله قبل أن تدين العدوان الإسرائيلي.
وعلى الرغم من ضعف البيان وانكشاف العجز الأوروبي، لم تتردد باريس في الإشادة بالبيان والقول بأنه يشكل نصراً ديبلوماسياً، وكان المعوّل بالنسبة للمراقبين أن يبقى التحالف الفرنسي ـ الألماني القائم منذ معارضة الحرب على العراق عام 2003، وينزل بثقله خلف الاتحاد لاستصدار بيان يليق بوزن الاتحاد الأوروبي على المسرح الدولي، لكن التراجع الألماني لصالح الموقف الأمريكي، وتصريح المستشارة الألمانية أنجيلا ميريكل الذي أدانت فيه حزب الله، وأرجعت المشكلة كلها إلى خطف الجنديين الإسرائيليين، أضعف الموقف الفرنسي، لتجد باريس نفسها في النهاية في مواجهة واشنطن داخل مجلس الأمن.
لكن الانقسام الأوروبي لم يقف عند هذا الحد، فقد سارعت جميع البلدان الأعضاء إلى الإعلان عن استعداها لإرسال وحدات عسكرية إلى لبنان في إطار القوة العسكرية الأممية في الجنوب، والمثير أن هذه الدول لم تعلن بأنها ستفعل ذلك تحت مظلة الاتحاد الأوروبي، بل بشكل فردي وبدون تنسيق داخل الاتحاد، وهذا على الرغم من وجود منسق أوروبي خاص مكلف بالسياسة الخارجية والدفاع هو الإسباني خافيير سولانا الذي قام بجولة في المنطقة، في الوقت الذي يتصرف فيه الأوروبيون، وكأنهم جزر معزولة لا بلدان متعايشة في اتحاد له أطره الداخلية الخاصة وقوانينه الناظمة.
ويمكن القول إن الأوروبيين، على الرغم من الحرص المستمر على التأكيد على وجود مصالح مشتركة، لا يزالون بعيدين عن تحقيق هذا الهدف برأي المراقبين. ويكون الجانب الأهم في الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي في عدم الحسم في العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، فمنذ زوال الاتحاد السوفييتي في بداية تسعينيات القرن المنصرم ظل العديد من الدول الأوروبية يعتبر أن العلاقة التي كانت تربطه في السابق بواشنطن، خلال الحرب الباردة، لا ينبغي المساس بها، فيما استقر البعض الآخر على فكرة أن أوروبا بعد انتهاء الحرب الباردة يجب أن تجد طريقها الخاص من خلال الوحدة والشراكة بعيداً عن الراعي الأمريكي، وفي العام 1993 تم التوقيع على وثيقة ماستريخت التي اتفق الأعضاء الـ (25) في الاتحاد بموجبها على وضع سياسة خارجية وأمنية مشتركة، وهو المطمح الذي لا يزال لحد اليوم حبراً على ورق.
قد تبدو مرحلة التحضير للحرب على العراق عام 2003، والتحالف الفرنسي ـ الألماني الذي كان يريد أن يشكل قاطرة جر عربات الاتحاد المتفرقة، مرحلة طويت وانتهى الأمر، فالتحالف المشار إليه انحل بمجرد غياب المستشار الألماني جيرهارد شرودر من السلطة في برلين، وبريطانيا لا تزال تعطي على أي موقف مشترك يمكن أن يتخذه الأوروبيون، برهانها المستمر على الحليف الأمريكي، وسيناريو توسيع الاتحاد الأوروبي ليشمل بلدانا من أوروبا الشرقية لديها علاقات تاريخية مع واشنطن منذ زمن المواجهة مع الاتحاد السوفييتي قد يهدد بإضعاف أوروبا أكثر؛ لأن التوسع له تكاليف سياسية وإستراتيجية كبرى ربما لا تقدر بروكسيل على النهوض بها.