تلك التصريحات العنصرية والمليئة بالحقد والكراهية ساهمت إلى حد كبير في زيادة روح العداء والانقسام وغذت عنصر الأنا والاستعلاء لدى المواطنين الفرنسيين وشجعت بدورها على نمو التيارات العنصرية وبالذات الجبهة القومية الفرنسية التي بدأت تكتسب شعبية مرموقة في صفوف الشعب الفرنسي . فالجبهة القومية استطاعت أن تلعب ورقة المهاجرين واللاجئين بمهارة ودقة مما سمح لها أن تفرض نفسها على الساحة السياسية كقوة لها وزنها وقيمتها . وقد وصل الأمر أخيراً بزعيم الجبهة ماري لوبان أن يطرح برنامجاً انتخابياً يطالب فيه بطروحات تضرب عرض الحائط جميع مقومات الديموقراطية التي يتغنى بها الفرنسيون في بلد الحرية والإخاء والمساواة . والبرنامج يدعو إلى طرد جميع المهاجرين واللاجئين غير الأوربيين مباشرة بعد مرور سنة على إقامتهم في فرنسا وحظر إعطاء تاشيرات سياحية للعرب والأفارقة (2) . والتبرير المعطى هو أن الهجرة من العالم الثالث مصدر الجرائم والبطالة والتهديد للوطن الفرنسي . وينص البرنامج على منح الفرنسيين الأفضلية في السكن والوظائف وحرمان المهاجرين ، بغض النظر عن مدة إقامتهم ، من جميع الضمانات الاجتماعية التي توفرها الديمقراطيات الحديثة لجميع المواطنين دون تمييز يرجع إلى اللون والجنس . ورغم بشاعة البرنامج فإن الفرنسيين وجدوا فيه إيجابيات عديدة ! فقد أفاد آخر استطلاع للرأي العام أن نسبة تأييد ماري لوبان ارتفعت من 18 إلى 32 بالمئة محرزاً في ذلك تقدماً ملموساً وظهوراً قوياً على الساحة السياسية (3) .
والتأييد الذي يلقاه ماري لوبان يعكس مدى التردي الأخلاقي في المجتمع حيث أصبح الجهر بالعنصرية شيئاً مقبولاً ولا يثير الخجل والحياء بل الفخر والإعجاب . فقد أصبح الخطاب العنصري مجالاً رحباً وأرضاً خصبة للتأييد الشعبي وتعزيز موقع الطامح إلى السلطة حتى وصل الأمر أخيراً بالرجل الثاني في الجبهة القومية الفرنسية برونو ميغرات أن يتسائل قائلاً:"لماذا نجهد أنفسنا في الحفاظ على أجناس الحيوانات في حين لا نلقي بالاً لاختفاء الجنس البشري من جراء الاختلاط العام بين الأجناس البشرية المختلفة" (4) .
فلا غرابة إذن أن نرى متطرفين وعنصريين وأعمال إرهاب وعنف ضد المهاجرين واللاجئين طالما أن الخطاب العنصري يحتل رقعة واسعة من الحياة السياسية والاجتماعية.. ولكن ما يدعو إلى الاستغراب حقاً هو كيف تتعايش الديموقراطية مع العنصرية ؟ فالديموقراطية الغربية بما تتضمنه من أفكار ومبادئ تتنافى كلياً مع ما تطرحه العنصرية ، والاختلاف بينهما كبير بمقدار ما هو بين الماء والنار . فالدول الغربية بالذات تطالب دولاً أخرى باستمرار أن تحترم حقوق الإنسان وأن تنتهج المنهاج المثالي في التعامل مع مواطنيها وتتزعم دائماً المؤتمرات والمجالس الدولية رافعة الصوت عالياً باحترام حقوق الإنسان وتوفير الأمن والرفاهية للجميع دون استثناء لكن دون أن تكلف نفسها عناء النظر في ما يجري على أراضيها من حدث وخطاب سياسي . فظاهرة تفشي العداء والتطرف ضد المهاجرين قلما تجد تأنيباً من نخب الغرب الحاكمة إن لم تجد أحياناً تشجيعاً كما هو الحال في فرنسا وألمانيا . وهذه المفارقة تكشف في جوهرها حقيقة الديموقراطية التي ملأ صيتها الآفاق وانتشر في أرجاء المعمورة .
إن كانت الديموقراطية كما يزعم بأنها من أنجح الأدوية وأفضل الطرق لرص صفوف المجتمع وصهر طاقاته فإن نموذجها الغربي المطبق لم يحقق حتى الآن إلا نجاحاً نسبياً . وإلا لما طرح لوبان مشروعه ، ولما قال شيراك بأن العرب رائحتهم كريهة ولا تعرضت عائلة سعدو للحرق . فالديموقراطية بمثالها الغربي لا يمكن أبداً أن تنجح في توحيد المجتمع وصهر طاقاته البشرية ولم أجناسه المتنوعة في بوتقة واحدة . والسبب يكمن في كيان الديموقراطية الغربية ذاته القائم على الحرية الفردية المنفلت من كل قيد أو ضابط أخلاقي واللاهث وراء الإشباع المادي دون سواه . فإذا ما توفرت العناصر المادية ولوازمها يمكن للمجتمع آنذاك أن يعيش نسبياً نوعاً من الأمان والاستقرار الاجتماعي . ففي الماضي غير البعيد انتجت ديمقراطية الغرب - عندما تردت الأوضاع وساءت الأحوال الاقتصادية - نازية هتلر وفاشستية موسوليني .