إذاً فما يسميه البعض بـ"الآليات"هي مجرد إجراءات عملية تتم بها عملية تنصيب الخليفة قبل أن يُبايَع، وهي مما يجوز أن تأخذ أشكالاً مختلفة، كما حصل مع الخلفاء الراشدين إذ لم يلتزم معهم بشكل واحد معين، وصندوق الاقتراع هو إجراء عملي لاختيار الخليفة من بين عدد من المرشحين لهذا المنصب، والعمل به ليس مدعاة لتبني الديمقراطية وإيهام الأمة أن الديمقراطية"بضاعنا ردت إلينا"!
3)الفرق بين الحضارة والمدنية:
كثير من الذين يطالبوننا بأخذ الديمقراطية لا يفرقون بين الحضارة والمدنية، أو بمعنى آخر لا يفرقون بين ما لا يجب أخذه، وما يجوز أخذه من غير المسلمين، فتراهم يلوون شفاهم بغيظ، قائلين لمن يرفض الديمقراطية: إنكم تستعملون كل أدوات الغرب من التلفاز والكمبيوتر والإنترنت والأسلحة وحتى الملابس فلماذا ترفضون الديمقراطية؟!
وهؤلاء من الذين صدق فيهم قول رسول الله: (لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى إذا دخلوا جحر ضب دخلتموه وراءهم) ، قيل: من يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: (فمن؟!) .
إن الديمقراطية ليست شكلاً مدنياً - كالطائرة والصاروخ والإنترنت - لا يخضع لوجهة النظر في الحياة حتى يجوز للمسلمين أخذه من أي كان، بغض النظر عن عقيدته، بل هي نتاج حضارة تقوم على أساس فصل الدين عن الدولة.
4)اشكالية الإصطلاح والتعاريف:
لفظ الديمقراطية اصطلاح غربي، يعني إعطاء حق التشريع للشعب وحصره فيه.
ولهذا المعنى مجموعة من التوابع، فنقول؛
في الديمقراطية للناس الحرية في اختيار الحاكم.
في الديمقراطية تجري انتخابات حرة لاختيار أحد المرشحين لمنصب ما.
في الديمقراطية يُحاسب الحاكم من خلال مجلس منتخب.
فالقول بأخذ أو استعارة جزئية من الديمقراطية - كهذه التي ذكرناها - قول مشدود للانبهار باللفظ أكثر من الفكرة، ولا يتفق مع منهج الإسلام؛ لأنه لا مجال لأخذ ما لا يجوز الأخذ به حين توفر اللفظ الصحيح للفكرة الصحيحة، وهذا يشكل خروج على المعنى الذي وضع اللفظ لأجله، وهو تعريف ليس جامعاً ومانعاً، فهو لم يجمع كل ما هو داخل في التعريف، ولم يمنع ما هو خارج عنه من الدخول فيه.
وبالتالي فإن الديمقراطية ليست هي"التعبير العصري عما نسمية بلغة الفقه والثقافة الإسلامية بالشورى"، وكأن المبدأ الإسلامي قاصر عن وضع المصطلح الصحيح، عدا عن كون اللفظ المستعار منافياً لمعنى الشورى.
فالشورى؛ حكم شرعي له تفصيلات تتعلق بتنظيم عملية أخذ الرأي من الدولة الإسلامية، والديمقراطية؛ حكم بشري يتعلق بإعطاء الشعب حق التشريع، وفي ظلها يتاح للملحد أن يدعو إلى إلحاده، وللعلماني أن يعلن أن الإسلام غير صالح للعصر، وأن القرآن كتاب بشري يمكن نقده... إلى غير ذلك من دعوات الكفر والإلحاد.
5)بيان الكذب والخداع في مصطلح الديمقراطية:
القول بأن الديمقراطية هي حكم الشعب؛ هو أكبر كذبة في العالم.
وفي هذا القول تضليل وخداع, فحتى في أعرق الديمقراطيات في العالم؛ فإن رؤساء الدول، وأعضاء البرلمانات، ورؤساء الحكومات، إنما يمثلون أصحاب رؤوس الأموال الذين يدفعون المبالغ الطائلة لإيصالهم إلى الحكم لتأمين مصالحهم.
وهل تداول السلطة في ظل النظام الديمقراطي يعني انحصار هذه السلطة من حزبين فقط هما"الحزب الجمهوري"و"الحزب الديمقراطي"في أميركا، أو"حزب المحافظين"و"حزب العمال"في بريطانيا؟!
إنها صورة مبتدعة لحكم القبيلة أو العشيرة أو الأسرة المالكة.
6)بيان فساد فكرة المطالبة بالحرية قبل المطالبة بتطبيق الإسلام:
إن الأنظمة الكافرة والعميلة في العالم الإسلامي هي أنظمة عدوة للإسلام، تعمل جاهدة بالتعاون أو الانصياع للغرب الكافر للقضاء على الإسلام.
والذي يجب أن يدركه أصحاب هذه الطروحات؛ أن هكذا أنظمة لن تعطي الدعاة إلى الإسلام الحرية في دعوتهم مهما طمأنوا الكافر، ومهما تنازلوا عن بعض دينهم، ومهما حاولوا إرضاء الكفار، قال تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة 120] .
فهذه"جبهة الإنقاذ"؛ في الجزائر كانت على وشك أخذ الحكم بشكل"ديمقراطي"عن طريق صناديق الاقتراع، فتدخل الجيش وألغى الانتخابات، وحظر"جبهة الإنقاذ"، وأودع قادتها في السجون.
وهؤلاء"الإخوان"في مصر؛ تأبى الحكومة إعطاءهم رخصة حزب سياسي، برغم ما قدموه ويقدموه من تنازلات للدولة.
ثم على من يطالب بالحرية ويصر على ذلك قبل المطالبة بتطبيق الإسلام؛ أن يبين لنا ما العمل إذا مُنع من هذه الحرية؟!
7)ليس معنى رفض الديمقراطية المطالبة بالدكتاتورية:
إذا لم تكن ديمقراطياً فأنت دكتاتوري!
إذا لم تكن رأسمالياً فأنت اشتراكي!
إذا لم تطالب بالحرية فأنت نصير الاستبداد!
فأنت دائماً محصور بين خيارين، ولا مناص لك في خيار ثالث!
أنا لست ديمقراطياً، ولست دكتاتورياً، ولا يمكن أن أكون رأسمالياً، أو اشتراكياً، وأنا ضد الحرية بالمفهوم الغربي، وضد الاستبداد.