فهرس الكتاب
(3) ولو افترضنا أن الواجب الآن هو الوعظ والتبليغ، وتصفية التراث، وتربية الأفراد، فإن هذا جميعه لا يتحقق بصور سليمة إلا من خلال العمل السياسي الحركي.. فإن الجماعة أقدر من الفرد في الوعظ والتبليغ، وإن التجمع والتعاون أقدر على الجهود العلمية التي تحتاجها الأمة لتنقية تراثها، وتصفية مصنفاتها وكذلك يستحيل تربية الأفراد تربية إسلامية صحيحة إلا من خلال الجهاد والعمل الجماعي، وتكاليف الدعوة، هنا تظهر"معادن"الرجال على حقيقتها، وتبرز التضحيات، ويبني الأفراد بناءً سليماً، ويدربون تدريباً عملياً على أخلاق الإسلام من الصبر، والحلم، والشجاعة، والإقدام، وإيثار ما عند الله على هذه الدنيا الفانية، وبذل النفس والنفيس في سبيل الله. وأما الجهود العلمية المحضة فإنها لا تربي إلا بمقدار يسير جداً، بل قد يكون الفرد علامة وجَمَّاعة، ومُحققاً ولكن تنقصه كثير من أخلاق الدين الواجبة، وصفات المجاهدين الطيبة. فقد يمتلئ حسداً من أقرانه، وبخلاً بماله، وضناً بدنياه، وعدم مبالاة بانتهاك حدود الله، وسكوتاً على الشر والفساد والظلم، فيدخل بذلك في جملة المعذبين المفتونين، فإذا فسدت نيته وسريرته، وكان عمله العلمي الشرعي لدنياه فقط وللشهرة والمراءاة ضل سعيه وفسد عمله.. والمهم من كل ذلك أن التربية الحقيقية للأفراد لا تتم إلا بعمل جماعي موضوعي يأخذ هذا الدين بجميع نواحيه ولا يقتصر منه على ناحية دون ناحية، في إطار هذا العمل الجماعي الموضوعي الذي تواضع الناس اليوم على تسميته بالعمل السياسي تكون المحاسبة على الكسل والتهاون، وبروز الكفاءات الصالحة، والقيادات الجيدة، والأخلاق الحميدة من الإخلاص وإنكار الذات، وأداء الأمانة، وبذل النفس في سبيل الله، وتحمل مشقات الجهاد والدعوة، والسهر على راحة المسلمين، والتألم لآلامهم والفرح بانتصار الدين، وبهذه المشاعر يعيش المسلم دينه كاملاً، ويحيا في آلام أمته وآمالها ويسعى في سبيل نهضتها ورقيها وسعادتها، إذا دعا لنصر الأمة كان دعاؤه من القلب، وإذا تألم لهزيمة الأمة كان ألمه من القلب كذلك.
وهكذا نوقن -إن شاء الله- أن العمل السياسي فريضة دينية، وأنه لا يجوز لمسلم قط التخلف عن ركب الجهاد في سبيل الله، ونصرة دين رسول ا صلى الله عليه وسلم ، وأنه لا بد لكل مسلم أن ينخرط في عمل سياسي ينصر الدين، ويعلي كلمة رب العالمين ويحقق السيادة والتمكين لأمة خير الأنبياء والمرسلين.
ولنعلم أن القعود عن ذلك معناه تمكين أعداء الدين من الشيوعيين والملحدين وطلاب الدنيا والرياسات والمجرمين من رقاب المسلمين، فالقعود اليوم إثم لا شك فيه، وعلى كل مسلم أن ينصر الله بما استطاع كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} (الصف:14) .
والحمد لله رب العالمين، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين المجاهدين، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ولتعلمن نبأه بعد حين.