فهرس الكتاب

الصفحة 21465 من 27364

(1) أن قد ثبت بما قدمناه أن الرسو صلى الله عليه وسلم قد مارس العمل السياسي بكل معانيه الطيبة الخيرة من تكوين أمة وجماعة، والدعوة إلى عقيدة تحطم كل العقائد الموجودة، وتنادي بوجوب إزاحة بل إزالة كل عقبة تقف في وجه دعوة الإسلام، ووجوب جعل السلطان لأمة الإسلام، ثم قد مارس رسول ا صلى الله عليه وسلم كل أعمال الحكم والسيادة، من تولية الولاة، وإرسال الجيوش والبعوث، والرسل، وتنظيم الدولة، وإقامة الحدود، وعقد المعاهدات، وهذا في حال القوة وأما في حال الضعف فإن رسول ا صلى الله عليه وسلم قد طلب النصرة، وطلب الحماية، وقبلها من الكفار ودعا إلى الله سراً، ثم جهراً، وجاهر الكفار بالعداوة وأنذرهم بالقتل وأعلمهم أن دينه خير الأديان وأن سيفتح الأرض، وينال كنوز كسرى وقيصر.. وأن أمته ستكون أقوى الأمم وخيرها، وأعظمها سلطاناً وأمناً وتمكيناً.. وكل هذا في عرف الناس اليوم من الأعمال السياسية. فليسمه الناس ما شاؤوا سياسة أو غير ذلك إنها طبيعة الدعوة إلى الله، ومنهج القرآن، وسنة الرسو صلى الله عليه وسلم ، وعلى الذين يكتفون بمجرد تعلم العلم الشرعي وتعليمه أن يعلموا أنهم لم يسلكوا سبيل رسول ا صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله، ولم يتبعوه حقاً وصدقاً. وإنما اشتغلوا بجزء من الدين، وجانب من الإسلام.

ولا شك أن الرسول كون الجماعة المعاهدة المبايعة له على الموت في سبيل الله والجهاد في سبيل نصرة الدين، ونظم هذه الجماعة، وعلمها، ورباها على عينه وكانت هذه الجماعة بعد ذلك هي طليعة الأمة، ونواة الدولة ونستطيع أن نطلق على جماعة الرسول الأولى"حزب الله"، وقد أقام الرسول كل المؤسسات الممكنة في وقته. واستطاع بهذه الجماعة أن يهزم كل تجمع وتحزب أمامه من العرب واليهود والنصارى والقبائل، والأعراب، وما ترك رسول ا صلى الله عليه وسلم الدنيا حتى كانت راية الإسلام تخفق فوق الجزيرة كلها من أقصاها إلى أقصاها، وحتى أصبحت الأمة مهيئة لغزو الروم وفارس، بل إن صلى الله عليه وسلم بنفسه غزى الروم في السنة التاسعة، وجبنوا أن يلقوه.

(2) الدليل الثاني على وجوب العمل السياسي: أن غايات الإسلام لا تتحقق إلا بالعمل السياسي بكل أبعاده، فإن الإسلام ليس تبشيراً وإنذاراً فقط، وليس دعوة تبليغية وعظية فقط، إنما هو دين وحكم وسيادة وأمة، وقضاء، وكلمة الله تعلو على كل كلمة للكفر، وراية التوحيد لا بد وأن تعلو فوق كل رايات الشرك. وهذه الغايات يستحيل الوصول إليها إلا بعمل سياسي منظم صاعد، يحقق مرحلة تلو مرحلة، وخطوة إثر خطوة، ويسير وفق خطة موضوعة، وتدرج زمني مدروس، وهذا هو مفهوم العمل السياسي. وإذا كان الواقع القائم الآن يتنافى مع هذه الغايات، فالنظم والحكومات القائمة لا تتناسب شكلاً ولا موضوعاً مع هذه الغايات الشريفة بل قد تكون عاملة بضد ذلك، ساعية في تعويق أمة الإسلام وتشتيتها ودحرها، وجعلها فريسة لأعدائها. وبالتالي فإنه يجب تغيير الأوضاع الراهنة ليكون الحكم الإسلامي في وضع يمكنه به تحقيق مراد الله في الأرض، ووضع شريعته موضع التنفيذ ومعلوم أن هذا التغيير للأوضاع القائمة، وأن تحقيق غايات الرسالة الإسلامية كل ذلك لا يتحقق إلا بالعمل السياسي، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

وهل نتصور أنه يمكن لأمة الإسلام أن تكون أمة الإسلام حقاً، وأن تحقق مراد الله بمجرد الوعظ والإرشاد، والتبليغ والأعمال الفردية التي يمارسها كل إنسان بمفرده حسبما يريد وكيفما اتفق، ويتركها إذا شاء.. الخ.

لا شك أن هذا قول مخالف للصواب والمنطق، والعقل، فضلاً عن مجافاته للشرع والدليل والنص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت