فهرس الكتاب

الصفحة 21464 من 27364

والجهاد بالقرآن والسنة إنما يكون ببناء جيل إسلامي حسب مواصفاتهما، ودفع هذا الجيل للصراع مع الباطل القائم حتى يتم للمسلمين النصر والتمكين، وإنه ليستحيل بناء هذا الجيل إلا تحت مؤسسات، ومن خلال جمعيات وتجمعات وجماعات، وذلك أن العمل الفردي الآن ذاهب مضمحل، ضائع، ويستحيل أن يوجد عمل قوي مؤثر إلا من خلال مؤسسات قائمة وتعاون وتعاضد، وتكاتف.. وهذا التعاون والتعاضد والتعاهد على نصر الدين، وإعلاء رسالة رب العالمين، واختطاط سبيل موحدة، وصراط مستمر مستقيم لنقل أهل الإسلام من حال إلى حال، ومن ضعف إلى قوة، ومن قوة إلى أكبر منها، ومن موقع متخلف إلى موقع متقدم هو ما نعنيه بالعمل السياسي، وهذه هي الدعوة الحقيقية اليوم إلى الله -تبارك وتعالى-.

إن غرس المؤسسات الإسلامية اليوم في الأرض الإسلامية هو واجب المسلمين. هذه المؤسسات التي يستطيع شباب الإسلام التحرك من خلالها لنصرة دينهم، وإعادة بناء أمتهم.. وتتمثل هذه المؤسسات في: المساجد والمدارس والمعاهد، ودور الرعاية، والجمعيات والتجمعات، والأحزاب والهيئات، وكل ما من شأنه أن يجمع المسلمون عليه من خير وبر وإحسان ودعوة وبناء وتربية. لا بد من إعادة حياة الأمة الإسلامية وفق منهج القرآن والسنة، وإذا كانت الدول والحكومات الحاضرة التي انفلتت من الدين، وحاربت رسالة رب العالمين، وسارت على خط المستعمرين، تربي أبناء الإسلام على عقائد الكفر، ونشر الانحلال والميوعة بين أبناء الإسلام، وتشغلهم بالتافهات عن الجد والمثاليات، وعظائم الأمور، فإنه من أجل ذلك يجب أن يجاهد المسلمون بأنفسهم ومن خلال مؤسساتهم الخاصة لإعادة بناء الأمة ومزاحمة الباطل الذي ينشره أحزاب الفساد، وتحويل مقدرات الأمة إلى خدمة أبنائها الحقيقيين، ودينها وعقيدتها وتراثها بدلاً من هؤلاء الذين يستغلون اليوم مقدرات الأمة الإسلامية لهدم عقيدتها وتراثها وأخلاقها ورجالها ونسائها.. إنها حرب سلمية يجب أن يخوضها الدعاة إلى الله لتحويل مسار المجتمع، وتحويل دفة الحياة نحو الدين، ولا بد من خوض هذه الحرب السياسية على كافة الأصعدة، وفي كافة المجالات، ولا يجوز بتاتاً أن تكون من خلال منبر المسجد فقط ولا من خلال الكتاب الإسلامي، والدرس السري، بل يجب أن تكون أيضاً من خلال الصحيفة والإذاعة، والتلفزيون، والجامعة، والمنصب الحكومي، والحزب السياسي، والجمعية الدينية، والمجتمع النقابي، والمدارس، والمعاهد، وكذلك يجب أن تشمل هذه الحرب السلمية الكلمة بكل أنواعها، والأساليب بمختلف صورها يجب أن تشمل: المحاضرة والخطبة، والقصيدة الشعرية، والقصة، والمقالة. ولا يجوز بتاتاً ترك الساحة الإعلامية والأدبية لفكر مناوئ للدين ليصول ويجول، بل يجب تحطيم كل فكر مخالف وإحلال الأدب الإسلامي الرفيع، والقيم الإسلامية العليا، مكان الأدب الساقط، والقيم المادية السفلى التي باتت تغزونا في عقر دارنا.

هذا هو العمل السياسي الذي نعنيه ولا شك. إن القول بأن مثل هذا العمل مشغلة عن الدعوة قول فيه تغرير وجهل كبير. بل العمل السياسي على هذا النحو هو الدعوة الحقيقية، ويكفينا أن الرسو صلى الله عليه وسلم قال لحسان بن ثابت:

[اهجهم"أي قريش"وروح القدس تؤيدك] .. وقال له أيضاً: [لشعرك أشد عليهم من وقع السهام] (رواه مسلم) ، فحسان جعله صلى الله عليه وسلم مجاهداً بالقصيدة الشعرية التي كانت تسد فراغاً لا يسده غيرها، إذ لا يكفي الانتصار عسكرياً على الكفار، بل يجب النصر أيضاً عقائدياً وفكرياً وأدبياً.

واليوم يحتاج المسلمون في عملهم الدعوي والجهادي والسياسي إلى إعلام ناجح، يتمثل في حسن عرض الرسالة الإسلامية، وفي قوة الرد على الخصوم، وفي رشاقة وحسن التعبير عن قضايا الدين، وليس بكثرة العدد ينتصر المسلمون في جهادهم السياسي، بل أيضاً في رسالتهم الإعلامية الموجهة التي يجب أن تحطم ما دونها من عقائد وأفكار وقيم، ولن تتمكن من ذلك إلا إذا كانت قوية محكمة.

ثالثاً: قولهم: أن هذا الأسلوب من أساليب العمل لم يمارسه الرسو صلى الله عليه وسلم والأصل اتباعه في كل شيء من أمر الدين وبخاصة الدعوة إلي الله:

الشبهة الثالثة هي ما ذكرناه -آنفاً- وهذا القول مردود بالأدلة التالية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت