فهرس الكتاب

الصفحة 21463 من 27364

وبهذا المفهوم الذي ننادي به للعمل السياسي الإسلامي نقول: إنه ليس مشغلة عن الدعوة بل هو الدعوة ذاتها، وهو الجهاد ذاته، فالسياسي المسلم داعية، ومرب، وخطيب ومجاهد، وقائد وساع في مصالح الناس، ومتعهد لشؤونهم ومفزع وملاذ لأهل الحاجات، والمساكين والفقراء، ومدافع عن حوزة الدين، ومنافح عن عقيدة الإسلام وحرمات المسلمين، ومؤلف لقلوبهم، وساهر على مصالحهم، هذه هي السياسة الشرعية التي نريدها. دفاعاً عن حرمات المسلمين وأوطانهم ومقدساتهم وقيادة لجيوشهم، وحرباً لأعداء الله داخل أوطان المسلمين وخارجها.. وهذه هي الدعوة الحقيقية والجهاد الحقيقي، وأما تأليف الكتب وتدريس العلم والوقوف عند هذا الحد فهذا جانب من الدعوة والجهاد ولكنه ليس هو جهاد النبي ولا هو عمل الصحابة والسلف.. ومثل هذا الجهاد العلمي قد يكون جائزاً الاكتفاء به في أوقات الأمن والراحة وعزة الإسلام وامتداد الخلافة والسلطان.. ولكنه حتماً غير جائز الاكتفاء به في أيام الشر والفتنة وغلبة أعداء الله على ديار الإسلام والمسلمين وتبدل الأوضاع، وسقوط الخلافة وضياع الدين، وتجبر المجرمين، وانتهاك أعراض المسلمين. في مثل هذه الأحوال يصبح الجهاد العلمي وحده تقصيراً وإثماً، لا يعذر الله به إلا أهل الأعذار من المستضعفين وذوي العاهات، والذين لا يستطيعون حيلة، ولا يهتدون سبيلاً. فمثل هؤلاء قد يعذرهم الله بقعودهم وعدم بذل أرواحهم وأموالهم في سبيل الله، وأما أهل الاستطاعة فلا عذر لهم لأن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، وهذه بيعة الله لأهل الإيمان جميعاً وليس لطائفة مخصوصة منهم فمن أوفى ما عاهد الله عليه فقد أوفى وله الجنة، ومن قعد فلا شك أنه معرض لسخط الله وعقوبته. نعم قد يكون الجهاد العلمي والتعليمي فقط بداية وتمهيداً للأرض، وإيجاداً للرجال، وبناءً للأفراد القادرين على حمل الأمانة، ومصارعة الباطل، وخوض غمار الجهاد كله قولاً للحق، ودفعاً لأهل الباطل، وحرباً للكافرين، والمنافقين.. أما أن يكون تأليف الكتب، وتنقية التراث، وتصفية المكتبة الإسلامية مما علق بها، أن يكون هذه هو الجهاد والدعوة فلا.. وخاصة في أيامنا هذه التي أصبح حتماً على كل أحد أن ينفر في سبيل الله، وأن تمارس الأمة كلها الجهاد بكل أنواعه، وعلى كل حال فإن الجهاد في تنقية التراث جهاد ولكنه يقي ثغرة واحدة من ثغور الإسلام، وهو جهاد لا غنى عنه لتصحيح المعتقد، وتقويم العبادة، وتنقية تراث الأمة، وتصحيح التربية. ولكنه ليس نهاية المطاف وخاتمة العمل. بل هو البداية، والحمد لله الذي حفظ لنا أصول ديننا، فهذا كتاب الله بين أظهرنا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وهذه السنة التي قيض الله لها الجهابذة عبر القرون فحفظوها ودونوها وفصلوا بين صحيحها وضعيفها حتى أتتنا -بحمد الله- نقية صافية خالصة.

ولا شك أننا لو عملنا اليوم بكتاب الله وما صح لدينا من سنة الرسو صلى الله عليه وسلم مما اتفق عليه أئمة النقد وجهابذة الحديث لكفانا هذا هداية، وقياماً بأمر الله، ولا شك أيضاً أن المؤلفات الطيبة الكثيرة في العقائد ومسائل الإيمان والتفسير، والفقه وأصوله.. كافية جداً لو فقهناها، وطبقنا ما فيها ونشأنا الأجيال عليها، ثم اهتدينا فيما يستقبلنا من مشكلات وأحداث جديدة بما نستنبطه من كتاب الله وما صح عن رسول صلى الله عليه وسلم .. لو فعلنا ذلك لكنا من أعظم المهتدين، والمجاهدين.

ولا شك أن الجهد العلمي الذي نحتاجه زيادة على ما سلف إنما هو من باب"التحسينات والتتميمات"وليس من باب"الفرائض والأصوليات". إننا فقط نحتاج إلى عقليات علمية لفهم كتاب الله، والإهتداء بما جمعه جهابذة السنة، ثم البصيرة فيما يواجه المسلمين اليوم من مشكلات وما يعترضهم من عقبات، والجهاد لبناء الأمة وفق هذه التعاليم الربانية، والحكمة النبوية.

إن طريق الجهاد اليوم هو في جمع الأمة وتربيتها على هذا التراث العظيم ولا يمكن أن يكون الجهاد مجرد إضافة لكتاب جديد إلى مكتبة الإسلام العامرة الطيبة. وأن يكون هو السبيل الذي لا سبيل غيره لنصر الدين، وإعلاء رسالة رب العالمين، بل الجهاد الحق هو في الاهتداء بالقرآن والسنة الصحيحة وجهاد الكفار بذلك كما قال تعالى: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً* فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً} (الفرقان:51-52) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت