فهرس الكتاب

الصفحة 21462 من 27364

وأما مخالطة الناس فمطلوبة في الأمر المباح الذي لا بد منه، وفي الأمر الواجب المفروض، والمسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، ثم لو فرضنا جدلاً أن بعض هذه الخلطة، وبعض أساليب الدعوة الحديثة ووسائلها لا يخلو من ارتكاب مخالفات شرعية.. لو افترضنا هذا جدلاً فإن هذا يكون من المعفو عنه -إن شاء الله تعالى- فإن الخير لا يتمخض مطلقاً في مثل هذا المجتمع الذي نعيش فيه، فلا يستطيع مسلم أن يمارس تجارة ولا زراعة، ولا صناعة، ولا عملاً، إلا بأن يرتكب بعض الحرام مما فرضه الواقع المخالف للدين، وعلى المسلم في هذا المجتمع الذي نعيش فيه ألا يصمد للحرام صمداً، وألا يطلبه لذاته كأن يرابي أو يقامر، أو يغش، أو يرتشي، ولكن أن يتاجر فيفرض عليه مكس، وضريبة، ويتعامل مع بنك ربوي لا حيلة له إلا في التعامل معه، وأن يتعلم فلا يكون له مندوحة من جامعات يقع فيها اختلاط وخلط بين تعاليم الإسلام وتعاليم الكفر، وأن يتولى عملاً من أعمال المسلمين فيفرض عليه بعض الشر الذي لا بد منه، ولا مندوحة له عنه، فإن مثل هذا ولا شك من المعفو عنه -إن شاء الله تعالى- رفعاً للحرج، ولأنه يستحيل أن يتمخض الخير. فلو فرضنا جدلاً أن ممارسة بعض الأساليب والوسائل الحديثة للدعوة: كالجمعية والحزب والنقابة، والوظيفة الحكومية ونحو ذلك لا بد فيها من ارتكاب بعض المحرمات فهل يترك ذلك من أجل هذه المحرمات، وبالتالي يكون الفساد أعظم، والشرك أكبر، ويستولي على أمور المسلمين ومؤسساتهم وأحزابهم ونقاباتهم، ووظائفهم، وأعمالهم أعداء الدين.

لا شك أننا إن رجعنا إلى نصوص الشريعة، وسياسة النبوة، والخلافة الراشدة، وجدنا أنه يجب دفع المفسدة العظمى بالمفسدة القليلة. وهذا من باب"ارتكاب أخف الضررين"وقد فصلنا هذا في كتابنا:"فصول في السياسة الشرعية في الدعوة إلى الله".

ثانياً: قولهم: إن العمل السياسي مشغلة عن الدعوة:

وأما القول بأن العمل السياسي مشغلة عن الدعوة إلى الله فهذا خطأ أيضاً لأن العمل السياسي الإسلامي يجب أن يكون دعوة إلى الله وإلا ما كان هذا سياسة شرعية، وإنما كان علواً وفساداً في الأرض، واستغلالاً للدين، واستبدالاً لطغيان بطغيان ولجاهلية بمثلها، فالعمل السياسي الإسلامي يجب أن يكون في ذاته دعوة إلى الله، فجمع الناس يجب أن يكون على أساس الدين، ولإعلاء كلمة رب العالمين، ولا تجوز مجاملة أحد في دين الله، ولا مراعاة خاطر كبير أو عظيم. بل عاتب الله رسوله عندما انصرف عن"ابن أم مكتوم"الأعمى إلى صنديد من صناديد قريش يدعوه. قال تعالى: {عبس وتولى* أن جاءه الأعمى* وما يدريك لعله يزكى* أو يذكر فتنفعه الذكرى* أما من استغنى* فأنت له تصدى..} الآيات (عبس:1-5) .

فالسياسة الإسلامية تختلف شكلاً ومضموناً عن السياسة الجاهلية المادية الخبيثة: السياسة الإسلامية سياسة طاهرة، تبتغي رفع شأن الإسلام والمسلمين، وتكريم أهل الدين وتحقير الكفر والكافرين، وإبلاغ رسالة رب العالمين، وإخراجاً للناس من الظلمات إلى النور وبالتالي فلا مجال فيها لمجاملة على أساس الدين، ولا لتجميع لكل من هب ودب من أجل إكثار العدد، وتكثير السواد، وقيادة الجماهير.. لا، السياسة الشرعية الإسلامية بغير ذلك، إنما هي تأليف وتربية وتوحيد لأمة الإسلام، والفرقة الناجية، وأهل التوحيد والصلاة والقبلة، في واجهة واحدة ضد أهل الكفر والزندقة والإجرام، والسياسة الشرعية إعلاء كلمة الله، وليست توصيلاً لأناس مسلمين، واستبدالاً لحزب جاهل بحزب آخر يدعي الإسلام ولا يلتزم به، وينادي بالدين ولا يتأدب بأخلاقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت