فهرس الكتاب

الصفحة 21461 من 27364

هذه القواعد العشر هي أهم ما يحضرني الآن من القواعد"السياسية"التي يجب على الدعاة إلى الله السير بمقتضاها حتى تكون سياستهم شرعية، وحركتهم بالدين حركة صاعدة، وحتى يكسبوا في كل يوم موقفاً جديداً، وحتى يحققوا في كل يوم خطوة نحو الهدف، وبغير ذلك تظل الدعوة إلى الله أعمالاً غوغائية، ويظل المسلمون نهباً لتجار السياسة من المنحرفين والكافرين والمارقين.

الباب الثالث: شبهات وجوابها

مما قدمنا يتضح أن الإسلام لا يعرف هذا التفريق بين الدين والسياسة، بل هذا مفهوم غربي كافر، جاء ليفصل الكنيسة عن الحياة، وأما في الإسلام فإن المسجد هو مكان العبادة، والشورى، وتوجيه الأمة في كل شؤونها، وعقد ألوية الجيوش، واستقبال الوفود، وإعلان الحرب.. وخليفة الإسلام هو قائد الأمة، وزعيمها، وإمام الصلاة، والمدافع عن حرمات الله، ومنفذ الحدود، وقائد الجند، ومرجع الناس في كل خلافاتهم، وأقضياتهم، وهو القائم بأمر الله المنفذ لحدوده، وقد كان هذا قبل الخلفاء هو مهمة رسول الإسلام -صلوات الله وسلامه عليه-

ولا شك أن أعداء الدين همهم اليوم هو الفصل بين المسلمين الدعاة منهم خاصة وبين العمل السياسي تارة يقولون: ما لكم وللسياسة، وتارة يقولون: لا يجوز تسييس الدين، وتارة يقولون: لا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة، وتارة يتهمون أهل الدعوة والجهاد بأنهم ما دعوا إلى الله إلا لمآرب سياسية وأغراض دنيوية، يريدون بهذا صرفهم عن الاهتمام بشؤون المسلمين، وإعلاء كلمة الله في الأرض، ليخلو الجو لأعداء الله، فيعيثوا في الأرض فساداً كما يريدون، ويحكموا المسلمين بأي قانون ونظام يريدون، ويجعلوا كلمة الدين هي السفلي، وكلمة الكفر والباطل والشرك هي العليا، ويحولوا بين دعاة الإسلام وبين السعي لعز أمتهم، وكرامة دينهم وإبلاغ رسالة ربهم، وإخضاع الناس لحكم ربهم، وأمر خالقهم وبارئهم.

وقد يغتر الدعاة بأقاويل أعداء الله هذه فيظنوا أن البعد عن السياسة الشرعية أحفظ لقلوبهم، وأخلص لربهم ودينهم، أو أن السياسة مشغلة عن الدعوة لله، ظانين أن الدعوة فقط هي تأليف رسالة، وإضافة كتاب إلى المكتبة الإسلامية، أو الانزواء في مسجد وزاوية، والإكثار من التعبد والزلفى، وبهذا يفسح المجال للأفاقين والكذابين واللصوص المتغلبة على أموال المسلمين ومقدراتهم، وتبقى الساحة السياسية في بلاد الإسلام نهباً لجهلة العساكر، ومحبي الزعامة، والفرق الباطنية الخبيثة، وأعداء الأمة فيمسكون زمام الأمور، ويعيثون في الأرض ظلماً وفساداً، فيتخذون أرض الله دولاً، وعباد الله خولاً حيث ينتهكون الأعراض، ويستبيحون الأموال، ويقصون الإسلام عن واقع الناس، ويستبدلون بشريعة الله الظاهرة شرائع الكفر الباطلة، ودعاة الإسلام غفلى يعللون أنفسهم بالأماني، ويشتغلون بالنوافل، مضيعين للفرائض، ويفصلون بواقعهم بين الدين والحياة، والدين والحكم، والدين والعدل، والدين وإعلاء كلمة الله في الأرض، والدين والجهاد في سبيل الله، وبذلك يقرون أعين الكافرين، وينفذون غافلين مخطط أعداء الدين، ويتركون قيادة الناس للمجرمين والمخربين والمفسدين، أليس هذا من أعظم الذنوب، وأكبر الكبائر؟!!

ولما كان بعض الدعاة إلى الله المخلصين الطيبين قد يقفون في هذا الأمر، أعني ترك العمل السياسي ظانين أنه مشغلة عن الدعوة والدين، وقد يتمسكون في تركهم هذا ببعض الشبهات والتأويلات. أحببت هنا أن استعرض أهم الشبهات وأرد عليها حتى لا يكون بعد ذلك هناك عذر لمعتذر، ولا حجة لمتخلف، ولا مستمسك لقاعد.

أولاً: إن الداعي إذا دخل المعترك السياسي فإنه لا يسلم من بعض المخالفات الشرعية:

كثير من الدعاة يحجم عن خوض المعترك السياسي والذي شرحناه -آنفاً- بأنه لا بد للداخل في هذا الميدان من أن يرتكب بعض المخالفات الشرعية. كمخالطة المخالفين، ومشاركة العصاة.. الخ. وهذا تصور خاطئ للعمل السياسي الإسلامي لأن حقيقة ذلك هو الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإعلاء كلمة الله في الأرض وجهاد الكافرين بالقلم واللسان، وإزاحة أهل الباطل عن التصدر على مصالح المسلمين والتسلط على رقاب الناس، وقيادة الأمة، وكل هذه أمور مشروعة بل غايات شريفة ولا شك. وقد شرحنا -آنفاً- ضوابط السياسة الشرعية، وقواعد العمل السياسي الإسلامي (انظر ص21-53) ، وأنه التزام بالحق والأخلاق، وعدم تفريط في شيء من الدين، مما أغنى عن إعادته هنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت