فهرس الكتاب
ولقد كان من الرعيل الأول من المسلمين من سبر غور الأمم والشعوب، وعرف القبائل ودرس الأنساب، وعرف نفسيات الناس، ولذلك كان تعاملهم معهم على أحسن الوجوه، والدارس لسيرة الرسو صلى الله عليه وسلم يعلم إلى أي مدى كان رسول ا صلى الله عليه وسلم يعلم الناس ويسبر أغوارهم، ويعرف كيف يتعامل معهم، وكذلك الشأن في خلفاء الرسول الراشدين، لقد كان"أبو بكر"عالماً بالأنساب، دارساً لنفسيات الناس، وكان"عمر"من أعلم الناس بشعوب الأرض ومقالاته في الشعوب التي غزاها لا تزال حية إلى اليوم، فقد قال في المجوس والروم مقالات هي بحق خلاصات عظيمة لنفسية هذه الشعوب. وهذا"عمرو بن العاص"أحد دهاة العرب الأربعة وأحد سياسيي العالم المعدودين يسمع المستورد القرشي يقول: قال سمعت رسول ا صلى الله عليه وسلم يقول: [تقوم الساعة والروم أكثر الناس] !! فقال عمرو بن العاص للمستورد القرشي:"أبصر ما تقول"قال: أقول ما سمعت من رسول ا صلى الله عليه وسلم ، قال عمرو:"لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة. وأمنعهم من ظلم الملوك" (رواه مسلم، ج5، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب10) .
فانظر هذه الكلمات الموجزة التي توزن بالذهب والتي لخص فيها عمرو بن العاص أسباب قوة الروم -أي الأوروبيين- لأن المسلمين كانوا يسمون جميع أهل أوروبا بالروم، نظراً لأن روما كانت يوماً ما عاصمة لمعظم أوروبا بل معظم العالم. انظر كيف يصف عمرو بن العاص الأوروبيين بما يدل على خبرة عجيبة جداً بنفسياتهم ونظام حياتهم، فهم أحلم الناس عند فتنة وهذا ظاهر جداً أنه عندما تقع بهم أزمة ومصيبة فإنهم يفكرون فيها تفكيراً عميقاً قبل اتخاذ قرار وهذا أمر مشاهد في حالهم إلى اليوم، وكذلك هم أسرع الناس إفاقة بعد مصيبة، فانظر كيف قامت أوروبا بعد الحرب الثانية التي دمرتها، وكيف عمرت في سنوات معدودات، وكيف نهضت"ألمانيا"بعد الهزيمة المنكرة في الحرب العالمية الأولى، ثم كيف قامت لتكون اليوم أعظم دول أوروبا بعد الهزيمة الساحقة في الحرب العالمية الثانية، وأما الصفة الثالثة فهي أنهم أسرع بل أوشك الناس كرة بعد فرة، أي عوداً إلى الهجوم بعد الانكسار، وهذا واقع ومشاهد وأنهم خير الناس لمسكين ويتيم، ولا شك أنهم من أعظم الناس على مدى التاريخ رعاية وعناية بمساكينهم وأيتامهم، ثم هم أمنع الناس من ظلم الملوك ومن أجل ذلك أججوا الثورات الطويلة ضد الظلم والعسف وهم الذين اخترعوا النظام الديمقراطي الذي يجعل الحكم للشعب بعكس كثير من الشعوب التي قد ترضى بالعيش في ظلم الملوك والأمراء قروناً وقروناً.. حتى يخلصهم غيرهم، ويستنقذهم سواهم.
إن هذه الخبرة العظيمة بنفسية الشعوب هي التي مكنت المسلمين من التغلب عليهم وهذا"عمر بن الخطاب"-رضي الله عنه- يخبره المسلمون في فتح (الشام) أنهم لاقوا عناءً عظيماً وبلاء من قائد روماني يسمى"الارطبون"راوغ المسلمين طويلاً وأوقع بهم في بعض الوقائع، وهزمهم في بعض المعارك بحيله وفكره ودهائه، فيقول"عمر":"سنحارب أرطبون الروم بأرطبون العرب"!! ثم يرسل لهم"عمرو بن العاص"!! داهية العرب وسياسيها الفذ، والذي يتغلب بالفعل في سنوات معدودات على"أرطبون"الروم. ويقابل مكيدة الروم بمكيدة العرب وتكون الغلبة لأهل العقيدة الصحيحة والتفكير السليم والمنهج الأعلى والأقوى.
باختصار: إن دراسة الخريطة السياسية أمر مهم بل شيء أساسي في أي حركة إسلامية سياسية صحيحة، فمن يفهم نفسيات الناس، وأخلاقهم وصفاتهم، يعلم كيف يتعامل معهم وأما من لا يفهم ذلك ولا يهتم بذلك فإن يكون كما قيل في القصة الرمزية كالدب الذي يرى على أنف صاحبه وهو نائم ذبابة ليزيحها عن أنفها بحجر عظيم ثم يقذف به أنف صاحبه حتى يطرد هذه الذبابة!!.
وكم في العمل والجهاد والدعوة الإسلامية من أمثال هذه الدببة التي تفسد حيث تريد الإصلاح، وتستشرف للفتنة حيث يحسن الاختباء، وتختبئ من المواجهة حيث يتحتم اللقاء، وتضرب حيث يكون الصفح والحلم هو الأولى والأليق، وتصفح وتحلم -زاعمة- حيث يكون الجهر بالسوء هو القاطع لمادة الشر والحاسم للفساد.. وكل هذا إنما هو من الجهل بالخريطة السياسية والجهل بالقوى والتكتلات المحيطة بالجماعة المسلمة، واحتقار شأن الآخرين، وعدم تقدير الأمور بمقاديرها الصحيحة، ولا شك أن هذا جهالة أي جهالة.
فلندرس الخريطة السياسية للمجتمع الذي نتحرك فيه، والعالم الذي نعيش فيه قبل أن نقدم على أي عمل، ولندرس نفسيات الناس والشعوب، وأخلاق الأمم، وعقائد الجماعات، لنعرف كيف نتصرف التصرف اللائق، وكيف نضع كل إنسان حولنا في الوضع الصحيح، مناصراً أو عدواً، أو إمعة تافهاً أو منافقاً خبيثاً، أو جاهلاً مطاعاً، أو سيداً أو كريماً، أو زنديقاً لئيماً.. ولا نستطيع أن نصدر مثل هذه الأحكام إلا بعد دراسة وفهم سليم لمن حولنا، فلندرس الخريطة السياسية جيداً قبل الحركة ولنتخذ الأسلوب المناسب للدعوة بعد هذه الدراسة.