فهرس الكتاب

الصفحة 21459 من 27364

ومن أجل هذا يجب على الدعاة إلى الله أن ينفتحوا على الجميع ويحاوروا الناس كافة، وتكون قنوات اتصالهم دائماً مفتوحة مع كل الأطراف، وكل الاتجاهات مع التزامهم جانب الحق، ووقوفهم مع عقيدتهم ودفاعهم عن دينهم، وألا يبرموا قراراً، أو يعطوا عهداً إلا إذا كان فيه مصلحة لعقيدتهم ودينهم، وتمكيناً لهم.

إن انفتاح المسلمين هكذا على الجميع، ومحاورتهم لكل مخالف، ودعوتهم الناس كافة إلى الحق، وتمسكهم به، وتقديرهم لمصالحهم الشرعية، وتحالفهم مع غيرهم، حيث يكون في التحالف قوة لهم، ورفضهم التحالف مع غيرهم حيث يكون على حساب دعوتهم وعقيدتهم، واهتدائهم في كل ذلك بسيرة نبيهم، وخلفائه الراشدين، واستفادتهم بعبر التاريخ، وسير الأحداث، سينتهي بهم ولا شك بالتمكين في الأرض، وإعلاء عقيدتهم ودينهم، ولكن انغلاق المسلمين عن الناس وعدم معرفتهم بهم، وظنهم أن الجميع أعداء لهم، وأن كل من يخالفهم في العقيدة فلا يجوز الجلوس معه، ولا التحدث إليه.. إن مثل هذا مدمر للدعوة الإسلامية مزيح لها عن صدر الحياة، وقيادة الناس، والتأثير في الأحداث، بل سيؤدي في النهاية إلى عزل الدين عن واقع الحياة، ووضعه في مسجد أو مدرسة دينية، وترك مجرى الحياة لغير المسلمين، فحذار ثم حذار من أفكار الجهالة التي انطلقت هنا وهناك التي تجعل مجرد اقتراب المسلم من غير المسلم كفراً وإثماً وفجوراً.

إن المطلوب هو ألا تخلط عقيدة الإسلام بغيرها، وألا تتحالف مع كفار ضد المسلمين، وألا نركن إلى الظالمين وننسى عقيدتنا وإسلامنا، أما أن نلتقي مع أي أحد ونعلن ديننا، ولا نتنازل عن عقيدتنا، وننظر ما يصلح لنا ويعلي من شأننا فنستعمله، وما يفسد ديننا ودنيانا فنتجنبه فهذا مما لا شك في حله بل في وجوبه.

عاشراً: إدراك أبعاد الخريطة السياسية:

يجب على أي مجموعة إسلامية أن تمارس الدعوة إلى الله بجميع أبعادها، وقد علمنا أن البعد السياسي هو أحد أبعاد الدعوة إلى الله، بل عمل الدعوة في أصله ونتائجه عمل سياسي..

أقول: يجب على كل مجموعة وهيئة وجماعة تمارس الدعوة بهذا المفهوم الواسع لمعنى"الدعوة"أن تدرس جيداً"الخريطة السياسية"وخاصة في المنطقة التي تعيش فيها، والتي تحيط بها.

ونعني بـ"الخريطة السياسية": دراسة التكتلات والجماعات والأفكار والعقائد التي تحيط بها، وكيفية عمل وحركة هذه التكتلات والجماعات والقوى المختلفة، وما مدى قربها وبعدها من الدين، وما مدى عداوتها ونصرتها له، وأيهما أخطر على الدين وأشد عداوة، وأيهما أقرب، وأيهما خطراً وضرراً، وعلى أساس هذه الدراسة الواعية الذكية تكون الحركة، والتوجه، ويكون العمل السياسي ناجحاً.. ألا ترى أن الله -سبحانه وتعالى- قد عرف المسلمين تعريفاً تفصيلياً بأعدائهم الذين يحيطون بهم، وبكيفية التعامل معهم، تقرأ مثلاً قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً} (النساء:44-45) ، فالله سبحانه وتعالى هنا يعلم المسلمين بكيد اليهود، وأنهم لضلالهم يعملون لإضلال المسلمين كذلك، وأنه لا يجوز للمسلمين أن يغتروا بظاهر تدينهم لأن الله أعلم بأعداء المسلمين من المسلمين أنفسهم، ثم يفصل الله نفسية اليهود، وأهدافهم وعقائدهم، وما ينوون فعله مع المسلمين، ثم طريقة التعامل معهم.

وكذلك فعل الله في تعريف المسلمين بالمنافقين، وخصائصهم وأعمالهم، وطريقة كيدهم لأهل الإسلام. ثم الأعراب الجاهليين، وأن منهم صالحون محبون للدين، ومنهم انتهازيون يتربصون بالمسلمين الدوائر.. قال تعالى: {وممن حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم} (التوبة:101) ، وقال تعالى: {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم} (التوبة:98) ، وقال سبحانه وتعالى: {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم} (التوبة:99) ، وكذلك أعلم الله رسوله والمؤمنين بشأن مشركي العرب وحميتهم وجاهليتهم، وكيفية التعامل معهم، وكذلك النصارى، ودينهم وجهالاتهم وضلالاتهم، ونفسية رهبانهم وقساوستهم، وكيفية التعامل معهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت